اخر الاخبار

تواجه الثروة السمكية في العراق تراجعا حادا بفعل شح المياه وارتفاع الملوحة والتلوث، ما تسبب بنفوق اعداد كبيرة من الأسماك في مناطق من الأهوار والبصرة، وسط تحذيرات من تداعيات بيئية واقتصادية تتطلب حلولا عاجلة.

الحرارة والمياه تبطشان بالاسماك

يقول إياد الطالبي، رئيس الجمعية العراقية لمنتجي الأسماك، إن نفوق الأسماك الذي شهدته بعض مناطق الأهوار والبصرة خلال شهري تموز وآب، جاء نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الإطلاقات المائية، ولا سيما في الأنهار التي تصب في الأهوار.

ويضيف الطالبي لـ"طريق الشعب"، أن انخفاض مناسيب المياه دفع الاسماك الى الانتقال من مناطق الأهوار باتجاه الأنهار والفروع التي تصل إليها مياه عذبة، ما أدى إلى تركز أعداد كبيرة منها في مساحات مائية محدودة، قبل أن تتعرض إلى نفوق واسع، بسبب قلة المياه وعدم ملاءمة الظروف المائية لبقائها.

ويشير إلى أن الوضع كان أكثر حدة في البصرة، حيث أدى انخفاض الإطلاقات المائية إلى ارتفاع المد الملحي ووصوله إلى مناطق قريبة من القرنة، الأمر الذي تسبب بنفوق أعداد كبيرة من الأسماك، خصوصاً الأنواع التي تعيش في المياه العذبة، لعدم قدرتها على تحمل ارتفاع الملوحة.

ويجد الطالبي أن تحسن وفرة المياه خلال الفترة الأخيرة، أسهم في استقرار الوضع وعودة الظروف الطبيعية تدريجيا، مؤكداً أن حالات الهلاك الكبيرة للأسماك انتهت مع تحسن الإطلاقات المائية.

ويؤكد أن الحكومة المركزية والأمانة العامة لمجلس الوزراء شكلتا لجنة لمتابعة واقع الثروة السمكية ومعالجة المشكلات التي تواجهها، فضلاً عن العمل على إعداد تعليمات تهدف إلى تطوير هذا القطاع.

خطط لدعم الثروة السمكية

وينوه بأن هناك توجها لدعم مزارع الأسماك في البصرة، ولا سيما في مناطق السيبة والبلدات المجاورة، من خلال تشجيع تربية الأنواع القادرة على التكيف مع المياه المالحة، بدلاً من الاعتماد على أسماك المياه العذبة التي تتطلب ظروفاً مائية مختلفة.

ويلمح إلى وجود خطة تتصمن استيراد صغار الأسماك التي يمكن تربيتها في البيئات المالحة، بما يسهم في دعم المزارع المحلية، وتعويض الخسائر التي تعرض لها القطاع.

ويعتقد الطالبي ان التعليمات الخاصة بتربية الأسماك في مناطق وسط وشمال العراق، لا يمكن تطبيقها بصورة مماثلة في جنوب البلاد، نظراً لاختلاف طبيعة المناخ والمياه والظروف البيئية، مؤكداً ضرورة وضع ضوابط تتلاءم مع خصوصية محافظة البصرة والمناطق الجنوبية.

ويختتم بالقول إن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار زيادة الإطلاقات المائية باتجاه الأهوار، بما يضمن استقرار البيئة المائية والحفاظ على الثروة السمكية وعودة الحياة الطبيعية إلى تلك المناطق.

خطورة الصيد الجائر

من جهته، عزا الاستشاري البيئي د. جاسم حسين عبدالله، عضو المكتب الاستشاري لنقابة المهندسين الزراعيين، استمرار تراجع الثروة السمكية في العراق، إلى جملة من العوامل البيئية والمائية والاقتصادية والإدارية التي تداخلت خلال السنوات الماضية، وأثرت بصورة مباشرة في الإنتاج السمكي الطبيعي والمستزرع.

وقال جاسم لـ"طريق الشعب"، إن نقص الواردات المائية وانخفاض التصاريف في الانهار لمستويات كبيرة يمثل العامل الأبرز في انحسار الثروة السمكية، مبينا أن تراجع مناسيب المياه انعكس سلبا على البيئات المائية التي تشكل موائل أساسية لتكاثر الأسماك ونموها.

وأشار الى ان جفاف الأهوار وتدهور نوعية المياه فيها أديا إلى فقدان العراق واحدة من أهم بيئاته الطبيعية المنتجة للأسماك، لافتاً إلى أن الأهوار كانت تمثل مخزونا سمكيا مهما، وتوفر بيئة طبيعية لإنتاج أجود الأنواع من دون تدخل كبير من الإنسان.

وفي جانب آخر، لفت جاسم إلى خطورة الصيد الجائر والممارسات غير المسؤولة، ومنها استخدام السموم والكهرباء والمتفجرات والشباك الناعمة، فضلا عن الصيد خلال مواسم التكاثر، مؤكدا أن استمرار هذه الممارسات أدى إلى استنزاف المخزون السمكي وإضعاف قدرته على التجدد بصورة طبيعية.

وبين أن ضعف تطبيق القوانين الخاصة بحماية التنوع الحيوي ومحدودية دور الشرطة البيئية، أسهما في تفاقم المشكلة، مرجعا ذلك إلى نقص الإمكانات المادية واللوجستية التي تحد من قدرة الجهات المعنية على أداء واجباتها بالشكل المطلوب.

اقتصاديا، يواجه مربو الأسماك تحديات متزايدة، من بينها دخول الأسماك المستوردة من دول الجوار بأسعار يصعب على المنتج المحلي منافستها، و ارتفاع أسعار الأعلاف السمكية المستوردة، الذي يرفع كلفة الإنتاج ويضعف قدرة المشاريع المحلية على الاستمرار والمنافسة.

وكان عبد الله قد حذر من انتشار الأمراض التي تتسبب أحيانا بنفوق جماعي للأسماك في مناطق مختلفة من البلاد، مشيرا إلى أن بعض حالات النفوق لم يتم التوصل إلى أسبابها بصورة واضحة، وهو ما يستدعي تعزيز الخدمات البيطرية والفحوصات الدورية ومراقبة نوعية المياه.

ورأى جاسم أن قطاع تربية الأسماك ما زال بحاجة إلى انتقال جاد نحو تقنيات التربية الحديثة، ولا سيما الاستزراع البحري المتطور، بدلا من الاعتماد بصورة واسعة على الأساليب التقليدية في الأحواض الطينية.

واشار إلى ان وزارة الزراعة حققت تطوراً ملحوظاً في هذا المجال، من خلال مشروع التربية بالأقفاص العائمة، إلا أن المشروع يواجه حالياً عدداً من التحديات، أبرزها تدهور نوعية المياه وارتفاع أسعار الأعلاف وانتشار الأمراض، وهي عوامل مجتمعة أدت إلى تراجع كبير في المشروع خلال السنوات الأخيرة. 

وماذا عن الحلول؟

وفيما يتعلق بالحلول، دعا عبد الله للعمل الجاد على استحصال حقوق العراق المائية من دول الجوار وتأمين حصة مائية آمنة، تكفل استمرار تربية الأسماك وتطوير المشاريع الاستثمارية المتخصصة في هذا القطاع.

كما شدد على ضرورة تنظيم استيراد الأسماك وحماية المنتج المحلي وتوفير الدعم اللازم للمربين، الى جانب الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة ونقل التقنيات الحديثة وتوطينها داخل العراق.

ويأمل عبدالله تطوير مهارات العاملين في قطاع الثروة السمكية، عبر إدخالهم في دورات تدريبية متخصصة داخل العراق وخارجه واستقدام التكنولوجيا المتطورة في مجالات التربية والإنتاج والتسويق.

كما طالب بدعم الشركات المتخصصة في إنتاج الأعلاف لتوفيرها بأسعار مناسبة، وتعزيز الخدمات البيطرية وإجراء الفحوصات الدورية للحد من الأمراض الانتقالية الخطيرة، فضلا عن توفير فرص استثمارية لانشاء مشاريع كبرى في تربية وتسويق الأسماك، مع تقليل الاجراءات والروتين الإداري الذي قد يعرقل الاستثمار في هذا القطاع.

ويبقى إحياء الأهوار وإعادتها إلى وضعها الطبيعي، بحسب عبد الله، أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة أزمة الثروة السمكية، كونها كانت تمثل في السابق أكبر مخزون سمكي طبيعي في البلاد، وبيئة غنية قادرة على إنتاج أنواع جيدة من الأسماك بصورة طبيعية.

وكانت مديرية زراعة البصرة قد اكدت أن نفوق الأسماك في قناة شط البصرة يرتبط بطرح مياه الصرف الصحي فيها بصورة مباشرة ومن دون إجراء عمليات معالجة. وبينت ان مياه الصرف الصحي تحتوي على نسب مرتفعة من الملوثات والأمونيا، ما يؤدي إلى انخفاض مستويات الأوكسجين، وتغير لون المياه إلى الأسود وتحولها إلى مياه آسنة وغير ملائمة لحياة الأسماك.

وحذرت من جمع الأسماك النافقة أو تناولها بعدما شوهد عدد من الأطفال يجمعونها من الموقع رغم عدم صلاحيتها للاستهلاك البشري.

وقال أبو الحسن علي، ناشط بيئي، إن ظاهرة نفوق الأسماك التي تشهدها بعض مناطق البصرة تمثل إنذاراً بيئياً خطيراً، مؤكداً أن ما يحدث لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثاً موسمياً عابراً، خصوصاً مع تكرار الظاهرة خلال السنوات الماضية.

واضاف علي لـ"طريق الشعب"، أن النفوق يرتبط بمجموعة عوامل، أبرزها طرح مياه الصرف الصحي غير المعالجة، وارتفاع نسب الملوحة، وارتفاع درجات الحرارة، فضلاً عن انخفاض مستويات الأوكسجين المذاب في المياه، وهي ظروف تجعل البيئة المائية غير ملائمة لحياة الأسماك.

وطبقا لإفادات رسمية وفنية، فإن هناك مصبات لمياه الصرف الصحي في قناة شط البصرة، مع تسجيل تغير في لون المياه وظهور فقاعات وروائح.

وأضاف أن "المشكلة ليست في الأسماك النافقة فقط، وإنما في البيئة المائية التي أصبحت غير قادرة على الحفاظ على التنوع الأحيائي. عندما نشاهد نفوق الأسماك بهذا الشكل، فهذا مؤشر على وجود خلل في نوعية المياه، يجب التعامل معه بجدية وسرعة".

وأشار إلى أن ارتفاع الملوحة يمثل خطراً إضافياً على الأسماك النهرية، خصوصاً مع تراجع مناسيب المياه وتقدم اللسان الملحي، مبيناً أن التغير المستمر في خصائص المياه يضغط على الأنواع المائية ويؤثر في التنوع الأحيائي.