اليوم، الرابع عشر من شباط، يوم الشهيد الشيوعي، فيه نستذكر من جديد، كما في كل عام، ذلك التاريخ المضيء، الممتد من نداءات القادة الشهداء حتى هتافات شباب تشرين.
وحين نحتفي بهذا الحدث الجليل، فإننا لا نتوقف عند حدود الاستذكار، بل نمضي إلى حيث يتعين تمثل دروس التضحية، والتحدي، واستلهام العبر، حتى نقدم إجاباتنا على أسئلة الواقع الحارقة، ونضيء آفاق المستقبل. وإذ نحتفي بهذا اليوم، نمجد، في الوقت نفسه، وبإجلال، تضحيات عوائل الشهداء، وقد أنجبت خيرة البنات والأبناء من المناضلات والمناضلين الشيوعيين، الذين تفخر بهم تلك العوائل، مثلما يفخر بهم حزبنا، وسائر وطنيي شعبنا.
ومن بين صفحات منيرة كثيرة نتذكر ذلك النداء المدوّي الذي أطلقه مؤسس حزبنا الرفيق الخالد يوسف سلمان يوسف (فهد): الشيوعية أقوى من الموت، وأعلى من أعواد المشانق. وهو النداء ذاته الذي جسّده سكرتير حزبنا الشهيد سلام عادل، وهو يتحدى الجلادين ببطولة لا نظير لها. وظل هذا نداء تلك القوافل من شهيدات وشهداء حزبنا، في العمل السري، والشوارع، وأقبية التعذيب، وزنازين السجون، وحركة الأنصار، والانتفاضات الشعبية، وسائر سوح الكفاح، لتبقى خفاقة راية المثال الساطع، الذي كشف أوهام الطغاة بإمكانية القضاء على حزب الكادحين، وأضاء حقيقة أن الشيوعية عميقة الجذور في بلاد الرافدين.
هل لمثل هذه البلاد المعمّدة بالآلام، والمشرقة بالآمال، أن تستكين، وقد سالت في شوارعها، وجبالها، وسهولها، وزنازين جلاديها وسجونهم، دماء ضحايا كثر، وصدحت فيها أصوات الملايين ممن كان الشهداء أمثولتهم !؟
دروس هذا اليوم تبقى عميقة الدلالة، فائقة الأهمية، حيث تعاني بلادنا من عواقب منظومة المحاصصة المقيتة، والخراب الشامل الذي أحدثته في سائر ميادين الحياة، والسخط المتعاظم في صفوف الملايين من الذين تطحنهم رحى المعاناة المريرة، وهو السخط الذي يضع أمام الشيوعيين، وسائر الديمقراطيين والوطنيين الحقيقيين، مهمات جسام، لابد من التصدي لها لإنقاذ البلاد من أزمتها العميقة، ووضعها على طريق الاستقلال الحقيقي، والديمقراطية، وتحقيق الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية.
إن هذا يتطلب، من بين تطلعات كفاحية ملحة، السعي، عبر دراسة الأزمة الراهنة، المتمثلة بهيمنة أقلية أوليغارشية على الحكم، إلى تقديم قراءة موضوعية للواقع تشخص المرحلة وترسم توجهات الكفاح اللاحق، التي تعبر، جوهرياً، عن تبني مصالح الكادحين الوطنية والطبقية. وفي هذا السياق يتوجه حزبنا إلى بناء جبهة شعبية واسعة معارضة لمنظومة المحاصصة والمتماهية مع الفساد، وساعية إلى إنجاز التغيير المنشود.
الشهداء الذين حملوا المشاعل، ومضوا رافعين الرايات، وشقّوا الدروب كي تمضي أجيال الثوريين وهي تغذّ الخطى في مسيرها صوب ضفاف العدالة.. هم الذين كتبوا، بدمائهم رسائل الأمل، وفجّروا ينابيع المعرفة بأفكارهم المتعطشة إلى الحرية، وصدحت أصواتهم بأناشيد التحدي.. هم الذين يمنحوننا، الآن، وكما فعلوا، في كل حين، العزيمة والأمل..
بنورهم يمضي حزبنا واثقاً، مهاباً، خائضاً غمار المعارك الوطنية والطبقية، تحت راية الوطن الحر والشعب السعيد..
أيها الشهداء.. يا وارثي الينابيع ومفجّريها..
سلاماً وأنتم تتسابقون في تلبية نداء الحزب..
سلاماً لسواعدكم وهي تقرع أجرأس الإطاحة بالعالم القديم..
سلاماً ونحن نهتدي بمصابيحكم، وهي ترشدنا في الطريق ذاته الذي ظلّ شاهداً على خطواتكم المقدّسة..
من أية رايات تخفق في أياديكم صدحت أناشيد الكفاح..! من أية أشرعة قُدَّت ضمائركم الصافية كالبلور، وهي تتحدى الأمواج العاتية..!
ما من كلمات تضاهي أمثولتكم..
أيها الشهداء: المجد يليق بكم.. بمآثركم سننتصر!