العربي الجديد
منذ عام 2003، لم يتمكّن العراق من حسم أحد أكثر ملفاته إثارة للجدل في المجالين الإداري والتعليمي، والمتمثل في حصول نواب ومسؤولين حكوميين، بمن فيهم وزراء ووكلاء وزراء وغيرهم على شهادات جامعية وعليا بعد توليهم مناصبهم. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الممارسة من حالات فردية إلى مسار شبه مألوف داخل الطبقة السياسية. وفي بلد يرزح تحت وطأة أزمات متراكمة ويعاني ضعفاً في الأداء المؤسسي، بات اللقب العلمي يقدم بوصفه مكملاً للمنصب، لا يقل أهمية عن الصفة الوظيفية نفسها، وكأن الشرعية السياسية لم تعد تكتمل إلا بإضافة أكاديمية متأخرة.
دراسة بعد المنصب لا قبله
اللافت أن طموحات كثير من المسؤولين الدراسية، التي لم تتحقق في مراحل مبكرة من حياتهم، تصبح سهلة المنال بعد الوصول إلى السلطة، والمال، والنفوذ، والعلاقات، والوساطات، إذ فتحت الجامعات داخل العراق وخارجه أبوابها، ولا سيما في دول مثل مصر، وإيران، وقبرص، وتركيا، ولبنان، حيث تتسم بعض البرامج بالمرونة، وأحياناً بالسهولة، مقارنة بالمعايير الأكاديمية الصارمة.
ولا يكتفي بعض المسؤولين بالحصول على شهادة أولية، بل يواصلون طريقهم نحو الماجستير والدكتوراه، في وقت يفترض أن تكون فيه مهامهم الوظيفية في ذروة التعقيد والحساسية وتحتاج إلى جهد ووقت.
سؤال التفرغ... وأزمة المصداقية
السؤال الجوهري الذي يطرحه أكاديميون ومراقبون هو كيف يمكن لمسؤول تنفيذي أو نائب في البرلمان، مثقل بالمهام والملفات، أن يوفّق بين دراسة أكاديمية تتطلب حضوراً وبحثاً وجهداً، وأداء مهام عامة تحتاج إلى تفرغ كامل، لا سيما أن الجمع بين مسارين غالباً ما ينتهي بتقصير في أحدهما، أو كليهما. فإما دراسة شكلية تستكمل بالنفوذ، أو أداء وظيفي باهت تحكمه الانشغالات الشخصية.
وفي هذا السياق، يقول عضو نقابة الأكاديميين العراقيين، حسام الفضلي، إن "ما نشهده اليوم هو فوضى حقيقية في ملف الشهادات، حيث تحولت بعض الجامعات إلى محطات عبور سريعة للمسؤولين، بعيداً عن المعايير العلمية الرصينة"، مضيفاً أن "استمرار هذا الواقع يضرب هيبة التعليم العالي ويخلق طبقتين من الطلبة، طلبة يخضعون للقانون، ومسؤولون (طلبة) يتجاوزون القانون التعليمي بالنفوذ".
وقد عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش في الأسابيع الماضية، بعد احتفاء النائبة آلا طالباني بحصولها على شهادة البكالوريوس في القانون أثناء شغلها منصباً نيابياً، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول المعايير والآليات.
وفي حالة مماثلة، يتواصل الجدل بشأن أحد وزراء حكومة محمد شياع السوداني، اندمج ضمن دراسة البكالوريوس في كلية القانون (الدراسة المسائية). هذه الواقعة أعادت طرح سؤال تضارب الأدوار، خصوصاً عندما يكون المسؤول ذاته على رأس مؤسسة يفترض أنها حامية للمعايير الأكاديمية.