اخر الاخبار

لا ينتهي يوم العمل بالنسبة إلى كثيرين من الموظفين الحكوميين، بمجرد مغادرتهم دوائرهم الرسمية. فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد متطلبات العيش، فضلا عن تكرار تأخر صرف الرواتب، يتحول انتهاء الدوام الحكومي عند البعض إلى بداية دوام آخر، في محاولة لتأمين دخل إضافي يساعد على مواجهة نفقات باتت تثقل الميزانيات بشكل كبير.

وبين راتب حكومي لا يغطي جميع الاحتياجات، ومصاريف تتوزع بين السكن والطعام والعلاج والتعليم ومستلزمات الأبناء، يجد هؤلاء الموظفون أنفسهم أمام خيار العمل الإضافي لساعات طويلة، ما يتسبب لهم في إرهاق جسدي ونفسي مستمر.

ويعاني المستوى المعيشي في العراق تراجعا ملحوظا وتآكلا حادا في القوة الشرائية، بسبب ثبات سلم الرواتب الحالي وعدم مواكبته ارتفاع معدلات التضخم وتكلفة المعيشة.

ويتبّع العراق حالياً قانون رواتب مضى على صدوره نحو 18 عاما (قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم 22 لسنة 2008). وبحسب اختصاصيين، فإن هذا القانون يتخلله تفاوت كبير في توزيع المخصصات بين وزارة وأخرى وبين الموظفين والدرجات العليا.

ولا تقتصر ظاهرة اللجوء إلى العمل الإضافي على موظفي القطاع الحكومي. إذ باتت تمتد إلى العاملين في القطاع الخاص أيضا، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للرواتب. ويدفع ذلك بعض الموظفين إلى الجمع بين وظيفتين، واحدة خلال ساعات النهار وأخرى في المساء، لتأمين احتياجات أسرهم وتغطية النفقات المتزايدة. فيما يضطر أصحاب المهن والأعمال الحرة إلى تمديد فترات عملهم اليومي وزيادة ساعات الكسب، لمواجهة أعباء المعيشة، ما يجعلهم يتخلون عن أوقات الراحة، وبالتالي يتعرضون إلى إرهاق شديد. 

لا وقت للراحة!

الموظف مصطفى ساجد، يقول في حديث صحفي أنه بعد انتهاء ساعات عمله الحكومي، لا يذهب إلى منزله لقضاء بقية يومه مع عائلته، إنما يتجه للعمل ست ساعات إضافية في وظيفة أخرى.

ويبيّن أن حاجته إلى مصدر دخل إضافي جاءت نتيجة تزايد المصاريف الأسرية، خاصة ما يتعلق بالعلاج ومصاريف دراسة الأبناء، مضيفا قوله أن العمل المسائي أصبح جزءاً ثابتاً من برنامجه اليومي، رغم ما يتركه من آثار على صحته ووقته مع أسرته.

ويوضح ساجد، وهو يعمل سائق حافلة بعد الدوام، أنه يحتاج إلى ساعة واحدة فقط للراحة بعد انتهاء دوامه الحكومي، ثم يخرج للعمل، مشيرا إلى أنه "أمضي نحو ستّ ساعات في قيادة الحافلة، قبل أن أعود إلى المنزل في وقت متأخر، وهو ما يجعل النوم والراحة محدودين مقارنة بفترات العمل التي أقضيها خارج المنزل".

وعلى الرغم من أن الأمر متعب جداً، إلّا ان ساجد يرى أن ترك العمل الإضافي يعني التخلي عن جزء مهم من الدخل الذي تعتمد عليه أسرته في تلبية احتياجاتها.

موظف في النهار وسائق دليفري في المساء!

لا يختلف يوم عباس الكناني كثيراً عن يوم ساجد من حيث طول ساعات العمل، لكنه يختلف في طبيعة المهنة والمخاطر التي ترافقها.

يقول في حديث صحفي أنه ما أن ينتهي دوامه الحكومي حتى يبدأ عمله الآخر سائقاً لدراجة نارية يستخدمها في توصيل الطلبات. حيث تمتد فترة عمله في هذا المجال إلى سبع ساعات، وأحياناً أكثر.

وباحتساب ساعات الدوام الحكومي والعمل الخاص، يؤكد الكناني أن عمله اليومي قد يتجاوز 15 ساعة، فيما لا يحصل سوى على نحو خمس ساعات من النوم، لافتا إلى ان الإرهاق أصبح شديداً ومستمراً، لا سيّما مع القيادة ساعات طويلة والتنقل بين مناطق مختلفة، لكنه يحرص على النوم مبكراً قدر الإمكان عندما تسمح ظروف العمل.

ويجد الكناني في يوم إجازته الأسبوعية فرصة نادرة لاستعادة جزء من عافيته: "أنام أحياناً أكثر من عشر ساعات في يوم الإجازة"، موضحاً أن جسده يكون بحاجة إلى تعويض ساعات النوم التي يفقدها خلال بقية أيام الأسبوع.

وينوّه إلى أن الدخل الإضافي، رغم أنه يأتي على حساب الراحة، يساعده في تأمين نفقات أسرته.

أعباء أسرية متزايدة

أما بالنسبة إلى وليد خماس، فلم يكن العمل الإضافي مرتبطاً بوظيفة لدى شخص آخر، إنما بمشروع خاص أصبح شراكة عائلية. إذ يعمل في صناعة وبيع الطرشي بالشراكة مع أشقائه الثلاثة، ويستغل ساعات المساء لإنجاز الأعمال، بدءاً من تجهيز المواد الأولية وصولاً إلى التعليب والتغليف والتهيئة، لكي تكون البضاعة جاهزة للبيع أثناء النهار.

يقول خماس في حديث صحفي، أن هذا المشروع يوفر له دخلاً إضافياً يساعده على تحمل الأعباء الأسرية المتزايدة.

فيما تتحدث سرى علي، عن زوجها الموظف، الذي اضطر لتحويل سيارته الحوضية إلى محل متنقل لبيع أحذية الأطفال والنساء.

وتوضح في حديث صحفي أن زوجها يختار أماكن محددة قرب المناطق التي تشهد حركة جيدة في أوقات معينة من اليوم، ثم ينتقل إلى منطقة أخرى عندما تُصبح حركة البيع ضعيفة، وقد يستمر في العمل حتى منتصف الليل أحياناً، بحسب ما تحققه المبيعات خلال النهار، مشيرة إلى أن الهدف من عمل زوجها الإضافي، هو ألّا يقل دخله اليومي عن 40 ألف دينار "فهذا المبلغ يُغطي الحاجة الفعلية من الأموال التي تحتاجها الأسرة لتأمين متطلباتها الإضافية اليومية".

تأخر صرف الرواتب

يتفق معظم الاختصاصيين في المجال الاقتصادي، على أنّ الأسرة العراقية اليوم تواجه نفقات متعدّدة تُصعب تغطيتها بالرواتب، بينها تكاليف العلاج والدراسة ومستلزمات الأبناء والسكن وأجور مولدات الكهرباء والانترنيت وخطوط نقل الطلبة، فضلاً عن المصاريف اليومية التي ترتفع باستمرار، لذلك أصبح العمل الإضافي وسيلة لإدامة قدرة الأسرة على الوفاء بالتزاماتها.

وما يدفع الموظفين إلى إيجاد عمل إضافي هو عجز ميزانية الدولة – بحسب أحمد الحسيني، وهو موظف يملك محلاً لبيع الملابس النسائية. إذ يصف عمله الخاص بـ"طوق النجاة" في حال توقف الرواتب أو تأخر توزيعها، مؤكداً أن "الخوف من عدم تمكن الجهات الحكومية من تأمين الرواتب دفع كثيرين من الموظفين إلى البحث عن أعمال خاصة إضافية".

ودخلت أزمة تأخر صرف الرواتب الحكومية شهرها الثاني، إثر صعوبات مالية تمر بها البلاد نتيجة الفساد وسوء التخطيط الإداري سنوات عديدة. وبدأت انعكاسات الأزمة تظهر بوضوح بين العائلات التي تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة لتسديد أقساط شهرية بعضها لقروض سيارات أو أجهزة أو سلع منزلية تم شراؤها في فترات سابقة، إلى جانب مصاريف المعيشة اليومية.

لا خيارَ آخر

إلى ذلك، يقول محسن جليل، وهو موظف في شركة خاصة، أن "دوامي في الشركة ينتهي بعد الظهر، والراتب الذي أتلقاه منه لم يعد كافياً لتغطية احتياجات البيت. لذلك أضطر بعد انتهاء دوامي إلى العمل كاشيراً في أحد المطاعم حتى ساعات متأخرة من الليل"، مبيّنا في حديث صحفي أن "العمل الإضافي متعب ويأخذ من وقت الراحة والعائلة، لكن في ظل ارتفاع الأسعار لم يعد أمامنا خيار آخر. فالمصاريف تتصاعد والراتب لا يغطي كل الاحتياجات".