وجه رئيس مجلس الوزراء السيد على الزيدي في أول أيلول الجاري، بأن يتم الوصول بإنتاج النفط الى نحو ١٠ ملايين برميل يوميا بحلول عام ٢٠٣٠. ويعكس هذا التوجيه رغبة في تعظيم موارد البلد، وفي حسن استخدام ثروة النفط التي يطفو العراق على بحيرة منه، لكنه في الوقت ذاته يثير أسئلة كبيرة، ليس فقط بشأن قدرة العراق الفعلية على تحقيق المطلوب، وما إذا يمكن استخدام جزء كبير من النفط المستخرج في الصناعات البتروكيمائية وذات العلاقة الاخرى، بل أيضا حول مدى قدرة الأسواق العالمية على استيعاب الزيادة الكبيرة المذكورة، وتأثير انتاجها على أسعار النفط عالميا، وموقف الدولة المصدرة للنفط وخاصة في أوبك بلس. فالرقم المستهدف يضاعف انتاج العراق من النفط الخام مرتين ونصف تقريبا، والذي يبلغ حاليا حوالي ٤,٤٣١ مليون برميل يوميا.
هذا التصريح او التوجيه الحكومي دفع مجددا المختصين والمعنيين الى تسليط الاضواء على صناعة النفط ككل، وعلى طبيعة الاقتصاد العراقي الراهن، الوحيد الجانب والريعي بامتياز، ومخاطر استمرار هذا الحال، وهو ما تجلى بوضوح في الأشهر الأخيرة وفي ما شهدته المنطقة من تطورات، كادت تخنق الاقتصاد العراقي المعتمد بنسب عالية جدا على عوائد النفط الخام.
تلك التطورات يفترض انها قدمت للجهات المتنفذة في العراق دروسا غنية، وتسببت في صدمة تملي عليهم تبني سياسة ومواقف أخرى مختلفة. فعندما اضطربت طرق تصدير النفط وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ظهر بوضوح كاف عقم السياسات المتبعة حتى اليوم، ومدى تأثر عائدات النفط ليس فقط بتقلبات الأسعار، بل أيضا بالإمكانية الفعلية لتصدير النفط. والحقيقة ان العراق لم يتمكن حتى الآن من العودة الى تصدير الكميات ذاتها، التي كان يصدرها قبل الازمة المتواصلة في المنطقة، وذلك ما دفعه للبحث عن اية وسيلة ممكنة لإدامة تدفق نفطه، وبالتالي ادامة شريان الحياة فيه.
ويخطئ من يعتبر ذلك مشكلة ظرفية طارئة. قد يصحّ في جوانب منه، لكنه يعكس بوضوح ازمة الاقتصاد العراقي المعتمد على مورد واحد، يتأثر بسوق عالمية شديدة التقلب ويرتبط وثيقا بالظروف الجيوسياسية، مناطقيا وعالميا.
وهذا يفترض ان يدفع الى خلاصات ومواقف تقول ان تنويع الاقتصاد ليس ترفا، وانما غدا مسالة وجودية بالنسبة الى البلد ومواطنيه. ويتوجب القول أن التنويع لا يقصد به جني مزيد من الإيرادات عبر الرسوم والضرائب والجمارك فقط، بل لابد ان يكون العراق بلدا منتجا، يتوفر فيه الكثير من شروط تحقيق ذلك وزيادة.
وهذا يتطلب تغييرا في فلسفة الدولة الاقتصادية ذاتها، وان يتم التحول من استمرار التوظيف الحكومي، خاصة الزبائني، الى اقتصاد مستدام، منتج ومتنوع. بما في ذلك مراجعة دور القطاع الخاص ليكون شريكا فعليا في تكوين هذا النمط من الاقتصاد، وليس الاعتماد على الاقتصاد الهامشي وعلى هبات ومشاريع الدولة.
من جانب اخر يصعب الحديث عن ذلك وتحقيقه، في بيئة تعاني من الفساد والبيروقراطية وعدم إمكان انفاذ القانون وحفظ الامن والاستقرار واحتكار الدولة للسلاح، كذلك عدم توفر الفرص المتكافئة والبنية التحتية. فالمطلوب هو تغيير نمط إدارة الدولة وتوظيف الكفاءات الوطنية، ووضعها في موقع المسؤولية بعيدا عن اعتبار مؤسسات الدولة غنائم.
لقد حان الوقت لاعتماد سياسات بديلة، وليس لمزيد من وضع الخطط والرؤى وإطلاق التصريحات التي تبقى حبرا على ورق. لذا فالحاجة ملحة الى نظرة تغيير شاملة، ذلك ان القول برفع انتاج النفط من دون سياسة اقتصادية متكاملة، يعني ببساطة ذهاب المزيد من الأموال الى الموازنات التشغيلية والتوظيف، فيبقى الاقتصاد معطلا، ويضيع المزيد من فرص التنمية الحقيقية والمستدامة.