اخر الاخبار

في زيارة له إلى هيئة الاستثمار، تناول رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي مواضيع عدة، بينها تأكيده "أهمية تنمية المناطق الريفية وتطوير القطاع الزراعي، عبر توفير الأراضي الزراعية للاستثمار أمام المهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين، بما يسهم في تنشيط الإنتاج الزراعي والحيواني وتوفير فرص العمل" ،  وفقاً لما جاء في البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء.

يأتي هذا التصريح وإبداء الاهتمام بتنمية القطاع الزراعي، في الوقت ذاته الذي أشارت فيه تقارير إعلامية إلى تعرض تجمعات للفلاحين والمزارعين من محافظات عدة أمام وزارة المالية إلى إجراءات عنفية، ولم تُسمع مطالبهم التي تلخصت في صرف مستحقاتهم عن تسويقهم محصول الحنطة، وهي تعود إلى عدة سنوات سابقة.

والمحتجون والمطالبون بحقوقهم، كما تقول مصادر، سوف يلجأون إلى التصعيد لمزيد من الضغط، للحصول على مستحقاتهم التي هم بأمسّ الحاجة إليها.

وإذا كان تبرير الحكومة الحالية يتلخص في  شحَّ الموارد المالية، فإن هذه الديون تراكمت لسنوات سابقة، ما يعكس عدم الجدية والاكتراث من الحكومات المتعاقبة بهذا القطاع الحساس وللمنتجين فيه.

دون شك، إن الاهتمام بالقطاع الزراعي له ما يبرره في وقت بات فيه البلد يستورد الكثير من المنتجات الزراعية والغذائية لتلبية حاجات المواطنين المتزايدة.

فالمنتج الزراعي الوطني، إضافة إلى إسهامه في سد احتياجات جانب مهم من متطلبات سلة الغذاء للمواطن، فإنه يوفر الأمن الغذائي للبلد، ناهيك عن التحكم وطنياً بالأموال التي تذهب إلى الاستيراد، إضافة إلى توفير فرص العمل في الريف، ما يساعد على استقرار سكانه وعدم بحثهم عن مصدر للدخل في أماكن أخرى وبمهن مختلفة.

وهنا تتوجب الإشارة إلى أن النهوض بهذا القطاع وتوفير المنتج الزراعي الوطني، والتوجه إلى سد نسب متزايدة من متطلبات الأمن الغذائي، تتطلب مجموعة متعددة ومتكاملة من المقاربات التي لا تقتصر على توفير الأراضي، رغم أهميتها، فمساحات واسعة منها يتعذر استغلاله واستثماره حاليا، لأسباب عدة، ومنها شح المياه الذي يدفع وزارتي الزراعة والموارد المائية إلى تحديد المساحات المزروعة ولمختلف المحاصيل، وخاصة الصيفية منها، لعدم القدرة على تأمين الحصص المائية المطلوبة.

وإذ ما زلنا، مع غيرنا، ننتظر إعلان البرنامج الحكومي الذي قدم إلى مجلس النواب للتصويت عليه، وما تضمنه من التزامات وتعهدات بشأن القطاع الزراعي، فإن الحكومة، وهي تعد موازنة 2027، عليها الانتباه إلى النسب المنخفضة من التخصيصات المالية التي ترصد للقطاعين الزراعي والمائي. واستمر هذا لسنوات خلت، فأي معالجة جادة لذلك تتطلب إعادة النظر في ذلك. وسبق أن أشرنا في مقالات سابقة إلى أن منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو) تقول إن حصة هذا القطاع في الموازنة، في بلدان مثل بلدنا، يجب ألا تقل عن عشرة في المائة.

وهناك أمر مهم للغاية، حيث لا يمكن تحقيق تقدم في القطاع الزراعي دون معالجة جادة لقضية المياه، والوصول إلى اتفاقيات واضحة وملموسة بشأن تأمين حصة عادلة للعراق في مياه نهري دجلة والفرات، ولا تكفي هنا التطمينات، سواء الصادرة عن الجهات التركية أم الإيرانية، فقد مضت سنوات ونحن نسمع وعوداً أو "مكرمات"  لا تعالج المشكلة على نحو دائم، بما يقود إلى استقرار الريف والعمل فيه، ويتيح الامكانية لوضع الخطط الزراعية في ضوء توجه علمي وتكنولوجي للاستثمار الأمثل للمياه وترشيد استخدامها، على أن الحديث عن ذلك من دون اتفاقات ملزمة، وليست تفاهمات، صعب التحقيق.

وبعد، إذا كان التوجه جاداً لتطوير الريف، فهذا يفترض، من بين قضايا أخرى، الارتقاء به وتوفير الخدمات الأساسية لساكنيه، ومن ذلك التعليم والصحة والكهرباء والماء، والحرص على رفع كفاءة العاملين فيه وتمكينهم.

باختصار، من السليم تماماً الالتفات الى هذا القطاع، فرغم ما يعانيه من مشكلات متعددة، يبقى قطاعاً واعداً عند التوجه إلى بناء اقتصاد متعدد ومنتج، ويقلل من الاعتماد على الاقتصاد الوحيد والريعي، ويفتح الآفاق إلى تنمية دائمة، ويوفر فرص عمل للمواطنين الذين تغص بهم شوارع العراق وساحاته الآن، وهم يبحثون عن مصدر رزق لهم ولا يجدونه.