اخر الاخبار

العربي الجديد

مائة يوم على بدء عمل حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (40 عاماً)، التي بدت أمام اختبارات مختلفة وتهديدات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، تتلخص بثلاثة عناوين:

وإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي بما ينسجم مع الحاجة المحلية والعلاقات الخارجية، مع مراعاة التوازن في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.

ورغم أنّ الزيدي شرع بحملتين كبيرتين؛ الأولى لنزع سلاح عدد من الفصائل الموالية لإيران، واسترجاع أموال كبيرة من المال العام المسروق والمنهوب واعتقال عشرات المسؤولين، إلا أنّ الأسئلة لا تزال مفتوحة أمام إمكانية تغيير اتجاه الدولة وفتح الملفات التي ظلت لسنوات خارج نطاق المعالجة الجدية.

ومنح البرلمان العراقي، في 14 مايو/ أيار الماضي، الثقة لحكومة علي الزيدي ومنهاجها الوزاري، حيث صوّت على 14 وزيراً من أصل 23 ضمن تشكيلته الوزارية، ولا تزال وزارات شاغرة، وهي الدفاع والداخلية والتخطيط والتعليم العالي والبحث العلمي ووزارة الهجرة والمهجرين ووزارة الإعمار والإسكان، والشباب والرياضة، والعمل والشؤون الاجتماعية، ووزارة الثقافة. ولم يفلح مجلس النواب في تمرير وزراء لهذه الوزارات، بسبب الخلافات السياسية بين الأحزاب والفصائل المسلحة على حصصها من هذه الوزارات، والفيتو الأميركي المفروض على الفصائل لمنعها من الحصول على مناصب وزارية ضمن حكومة الزيدي، إذ خلت الحكومة من أي تمثيل لها.

وكشفت المائة يوم السابقة أنّ حكومة الزيدي تحرّكت ضمن ملفات ثقيلة وجازفت بفتح أبواب سياسية وأمنية مغلقة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تحويل هذه التحركات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، رغم أنّ مشاهد وصور مليارات الدنانير التي اعترف عشرات المسؤولين بسرقتها واختلاسها، والذين اعتُقلوا إثر اعترافات وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، بقيت ضبابية، إذ لا تزال الحقيقة غير مكتملة لدى العراقيين الذين يطالبون بكشف قصة السرقات الكبرى، في ظل هرب مسؤولين كبار من غير المتوقع أن يتم اعتقالهم على المدى القريب على الأقل، مثل وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق أحمد الأسدي، وفقاً لمصادر ومسؤولين.

أما بالنسبة إلى سلاح الفصائل، فلا تزال أسئلة كثيرة تحوم حول هذا الملف، إذ لم يظهر للعراقيين ما جرى تسليمه من سلاح للدولة ونوعياته ومصادره، وكم نسبة السلاح الذي سُلّم للدولة، بالمقارنة مع الكميات والنوعيات التي لا تزال تملكها هذه الفصائل، لكن حكومة الزيدي تشدد على التزامها بالمهلة التي منحتها للفصائل الرافضة لتسليم السلاح، حتى نهاية سبتمبر/ أيلول المقبل. وخلال الفترة السابقة، صعّدت الحكومة حملتها ضد الفصائل، كما دفعت بالإعلام الرسمي، مثل قناة "العراقية" وصحيفة "الصباح"، إلى تبني خطاب مضاد للفصائل من جهة، ونشر دعوات صريحة موجهة لها لإلقاء السلاح، من أجل تقوية الأجهزة الأمنية ومنع أي حالة اشتباك بين السلاح النظامي وغير النظامي في البلاد.

وفي أبرز التطورات الأخيرة على هذا الصعيد، اعتُقل مسؤول الاستخبارات عباس حسين في حركة "النجباء" (أبرز الحركات الرافضة لتسليم سلاحها) على يد قوة من جهاز مكافحة الإرهاب في محافظة ذي قار، جنوبي البلاد، فيما توعدت الحركة بموقف من رئيس الوزراء، معتبرة الفعل "تصعيداً خطيراً".

اقتصادياً، وجهت حكومة الزيدي أنظارها منذ الأيام الأولى إلى النفط، الذي يشكل الأساس في الاقتصاد العراقي بنسبة تتجاوز 94% من الإيرادات، بالإضافة إلى تحديات مرتبطة بالإنفاق العام والقطاع المصرفي والضرائب والجمارك والقطاع الخاص. وأعلنت حكومة الزيدي توجهها لإعادة هيكلة القطاع المصرفي والتأمين، إلى جانب الإصلاح الضريبي والجمركي، وتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، كما بدأت بخطوات مرتبطة بتحصيل الضرائب والرسوم الجمركية على التحويلات الخارجية، في محاولة لتعزيز موارد الدولة وتقليل الهدر، لكنها تواجه فعلياً أزمة غير طبيعية في السيولة المالية، إذ تكاد تكون رواتب الموظفين لدى الدولة في أصعب فتراتها، جراء عدم توافر الأموال بالقدر الكافي.

لكن المستشار المالي لرئيس الوزراء في العراق، مظهر محمد صالح، أشار إلى أنّ تقييم 100 يوم على تشكيل حكومة الزيدي ينبغي ألا يقتصر على عدد الأيام التي أمضتها في السلطة، وإنما على الاتجاه الذي اختارته منذ بدء عملها، لأنّ الحكومة تسلمت المسؤولية في ظرف عراقي بالغ التعقيد. ونقلت وكالة الأنباء العراقية "واع"، السبت الماضي، عن صالح قوله إنّ "حكومة الزيدي لم تتعامل مع الملفات باعتبارها أزمات منفصلة، بل حاولت النظر إليها باعتبارها أجزاء من مشكلة واحدة، تتمثل ببناء الدولة واستعادة قدرتها على إدارة مواردها ومصالحها"، مؤكداً أن "ملف مكافحة الفساد كان في مقدمة الملفات التي أعطتها الحكومة أولوية واضحة".

ولفت صالح إلى أن "حكومة الزيدي لم تكتفِ بإدارة الاقتصاد القائم، بل طرحت فكرة إصلاح بنيته، وأن الحديث عن موازنة البرامج وإصلاح القطاع المصرفي وتطوير النظامين الضريبي والجمركي ودعم القطاع الخاص وإنشاء أدوات جديدة لتمويل التنمية والاستثمار، يعكس محاولة للانتقال من اقتصاد يعتمد على توزيع الريع إلى اقتصاد يستطيع إنتاج القيمة". واستكمل حديثه بأن "العراق لا تنقصه الموارد، وإنما ينقصه تحويل الموارد إلى إنتاج وفرص عمل وثروة مستدامة، كما أهمية توجه الحكومة نحو الاستثمار والطاقة والبنية التحتية، ومحاولة فتح الباب أمام شراكات استثمارية أوسع، في حين أن تنويع الاقتصاد ليس شعاراً مالياً فحسب، بل هو الطريق إلى بناء سوق عمل حقيقية وإعادة تشكيل الطبقة الوسطى العراقية على أساس العمل والإنتاج والكفاءة".

من جهته، قال قيادي من تحالف "الإطار التنسيقي" (التحالف الشيعي الحاكم في البلاد)، فضّل عدم الكشف عن هويته لـ"العربي الجديد"، إنّ "الزيدي، وبالتنسيق والمباركة من تحالف الإطار التنسيقي، يعمل على استعادة القرار الوطني عبر التفاهم مع الأطراف جميعها، بما فيها الفصائل المسلحة، من أجل حصر سلاحها وإنهاء جميع المظاهر التي تخالف القانون"، مؤكداً أنّ "أغلبية العراقيين ينظرون إلى ملف الخدمات، كالكهرباء والطاقة، باعتبارهما الأكثر إلحاحاً، وبالتالي فإن حكومة الزيدي عملت عبر الاتفاقات على تحسين هذا الواقع، ناهيك عن تطوير قطاعات كانت تعاني من سطوة الأحزاب والدول الخارجية، لكن الزيدي سعى إلى تطويرها وإعادة الحياة إليها، بضمنها قطاعات الصناعة والاستثمار والإنتاج".

وأطلق الزيدي حملة "صولة الفجر" لمكافحة الفساد واعتقال عدد من المتهمين بسرقة المال العام من المسؤولين والنواب في البرلمان، في 28 يونيو/ حزيران، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية ومجلس القضاء الأعلى، وجرى اعتقال نحو 50 متورطاً في عمليات فساد. ويصف القيادي في "الإطار التنسيقي" هذه الحملة بأنها "الأكبر منذ عام 2003، وأنها لن تتوقف"، مؤكداً أن "تحالف الإطار وحتى بقية القوى السياسية من المكونات العراقية (السنية والكردية)، منحت الزيدي الضوء الأخضر لملاحقة كل المتهمين مهما كانت عناوينهم السياسية والحزبية". أما فيما يتعلق بالسلاح، فقد أكد أن "كل أحزاب الإطار التنسيقي متفقة على إنهاء ملف السلاح خارج الدولة، وسحب جميع أسلحة الفصائل بالتفاهم وليس بالقوة".

وما يُتوقع أن يؤثر على حكومة الزيدي خلال الفترة المقبلة هو الوعود الكثيرة التي أطلقتها وتحدت بها نفسها، وبضمنها ما يرتبط بملف الطاقة، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية للإصلاح الاقتصادي، بحسب وصف الحكومة. وأعلنت حكومة الزيدي أن عام 2027 سيكون عاماً لمضاعفة إنتاج الطاقة وقدرات النقل والتوزيع، بهدف معالجة النقص المزمن في الكهرباء. هذه الوعود تعني أن النتيجة الكبرى مؤجلة إلى العام المقبل، مع العلم أن العراقيين كانوا قد سمعوا عشرات الوعود خلال السنوات الماضية بخصوص الكهرباء والطاقة.

من جانبه، بيّن الباحث في الشأن السياسي عبدالله الركابي أن "حكومة الزيدي، وخلال مائة يوم، تمكنت من هز العملية السياسية بطريقة أعادت الشعب العراقي إلى التفاعل مع القضايا السياسية، وتحديداً ضمن حملة صولة الفجر التي شهدت حملات اعتقال وتحقيقات طالت مسؤولين وشخصيات معروفة، بالإضافة إلى وضع ملف حصر السلاح بيد الدولة في مقدمة الأولويات والانتقال من الشعار إلى تحديد مهلة زمنية للفصائل المسلحة، فضلاً عن محاولة إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس الاقتصاد والاستثمار بعد مرحلة الوجود العسكري، في حين حافظت على قنوات التواصل مع إيران ضمن محاولة لسياسة توازن خارجية".

وراى الركابي في حديث لـ"العربي الجديد" أن "فترة مائة يوم لا يمكن لها أن تكون الفيصل في إطلاق الحكم، لا بالفشل ولا بالنجاح، لأن الفساد لم ينتهِ، والسلاح لم يُسلّم بأكمله إلى الدولة، وملف الكهرباء لم يُعالج، ولم تتحسن العلاقة مع واشنطن، كما لم تُحجّم العلاقة مع طهران، ولا يزال ملف النازحين مفتوحاً، وغير ذلك من القضايا".