اخر الاخبار

التراجع المؤلم الذي مُني به اليسار في تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار التجربة الاشتراكية، جعل فضاءاته ساحة صراع فكري حاد على الصعيدين الوطني والأممي، وبروح ديمقراطية تعددت فيها الاجتهادات وغابت عنها أشباح التخوين.

وكان من أبرز ثمار تلك الحوارات الاعتراف الجريء بفشل تجربة الاشتراكية الواقعية، لا لعلّة في الفكرة ذاتها، بل لاختلالات في الممارسة، يتقدمها إعطاء الأولوية للعدالة الاجتماعية على حساب ابتكار آليات ديمقراطية تجسد التوأمة بين الحريات والاشتراكية، وعجز برامج التخطيط المركزي عن تطوير الإنتاج بسبب ضعف تقنياتها، وما جثم على عقول القيادات من كوابيس بيروقراطية، إلى جانب تراجع دور الشيوعيين في قيادة المسار، والتخريب الإمبريالي ضدهم، والاستغراق في سباق تسلح مضنٍ.

وفي سياق تلك الاجتهادات، دعت بعض الأطياف اليسارية إلى تبني نهج الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، لأنها "نجحت"، وبدعم من نقابات عمالية قوية، في بناء دولة الرفاه، وتوفير تعليم مجاني ورعاية صحية وحياة كريمة وضمانات متميزة للجميع، فضلاً عن تحقيق زيادة مضطردة في الإنتاجية ونمو اقتصادي مهم.

غير أن تلك "النجاحات" سرعان ما بهتت مع انتقال الرأسمالية إلى مرحلة العولمة، والتطور فائق السرعة في الرقمنة والثورة المعلوماتية، واللجوء إلى تنظيم الإنتاج ضمن شبكات عالمية، وتمتع رأس المال المالي بقوة هائلة، مما أفقد الديمقراطيين الاجتماعيين سيطرتهم النسبية على رأس المال، وأخضعهم مرغمين لإرادته، فقبلوا بالتنازل عن الحقوق والمكتسبات مقابل جذب الاستثمارات المتنافس عليها بقوة.

وفضح الاختفاء التدريجي لمزايا "دولة الرفاه"، التناقض الرئيسي بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص لملكية وسائله. ولم يعد ممكناً التعايش بين سلطة "عمالية" تحكم وسلطة برجوازية تتحكم في الثروة، تلك التي حرص الديمقراطيون الاجتماعيون على صيانتها، مما أسفر عن تقلص قاعدتهم الطبقية، وتضاؤل أعداد البروليتاريا الداعمة لهم، وتراجع دور النقابات، وبالتالي توقف عجلة أحزابهم عن الدوران.

ورغم بقاء أقلية من معجبيهم، مشبعة بالحنين إليهم، فإن خيبة الأكثرية حفزتهم على الالتحاق باليسار الجذري، الذي يدعو لتعبئة الشعب العامل في نضالات تربط بين تحسين مستويات المعيشة وقضايا الأجور والسكن والديمقراطية والخدمات وبين توسيع نطاق الملكية الاجتماعية، أي إعادة بناء أحزاب جماهيرية قوية، تتمسك بأفق اشتراكي وترفض الركون إلى رأسمالية "أكثر إنسانية"، دون أن ترى ضيرًا في سلسلةٍ تغييرات مدعومة شعبياً، تهاجم قلعة الرأسمالية وتطوقها بمؤسسات وخنادق وحواجز، تتحرك في الظرف الملموس لتحسم معركة المواقع، على حد تعبير غرامشي.

ومن اشتراطات نجاح ذلك يمكن الإشارة لثلاثة مخاطر، أولها الانغلاق على معايير انتماء صارمة تعيق بناء حركة يسارية واسعة، وثانيها الانفتاح على الجماهير دون سردية برنامجية مقنعة بآليات الانتقال إلى الاشتراكية، مما قد يحولها إلى حركات تميل مع اتجاه الرياح الانتخابية، وربما يجعلها تقبل بالإصلاح حتى وإن لم يسهم في تغيير موازين القوى لصالح الشغيلة، وثالثها التغافل عن ردود فعل القلعة الرأسمالية، التي لن تبقى بالضرورة سلبية تنتظر حتى يستحكم الثوريون مواقعهم، بل ستعمد لفعل الكثير بغية إنقاذ نفسها، فتعيد هيكلة الإنتاج، وتنقله إلى الدول التابعة، وتؤتمت أكثر القطاعات حيوية لتقليل الحاجة للأيدي العاملة، وتساوم بعض الأطراف لتمزيق وحدة اليسار والتشويش على الوعي بماكينة إعلامية خارقة.

إن تجنب هذه المخاطر يتطلب عملاً يومياً دؤوباً، يصون الألق الثوري لليسار، ويسهم فيه كل اليساريين المنتمين لأحزاب ونقابات ومنظمات وحركات، عمل يرسخ في وعي الشعب العامل العلاقة التي لا تنفصم بين الاقتصاد الاشتراكي ودولة الرفاه وساعات العمل الأقصر والحريات، وإشباع الحاجات المادية والروحية للبشر.