لا أحد من دهاقنة الاقتصاد والمسؤولين، كما اظن، قادر أن ينبئنا عن موعد إعداد الموازنة الاتحادية، لأنها ليست المرة الأولى تبقى معلقة في أدراج الحكومة لا بسبب توقف تصدير البترول بسبب الظروف الجيو سياسية العسيرة التي تمر بها المنطقة فقد تكون هذه مرحلة عابرة بانتظار رحمة السيد ترامب، ولكن بسبب السياسات الاقتصادية الحكومية التي تصر على عدم الالتفات على تفعيل قطاعات الاقتصاد الأخرى المولدة للدخل بما فيها الثروات المعدنية التي تزخر بها الأرض العراقية المعطاء من كبريت وفوسفات وسليكا وغيرها.
وكما هو الحال في كل عام وحينما توضع الموازنة على طاولة البرلمان في الدورات السابقة تكشر الكتل الكبيرة عن أنيابها لتضمن حصتها دون الاكتراث بأهدافها التنموية وتعلق المشاريع المتوقفة بأهدابها ولكن في هذه المرة الأمر مختلف فالحكومة أبت إلا أن تبقي الموازنة في أدراجها فالمشاريع متوقفة عن التنفيذ وأخرى في منتصف الطريق والوزارات تتسمر بمكانها لا تستطيع ان تفعل شيئا لأن الموازنات كما هي العادة تصمم عل أساس البنود وليس على أساس البرامج هذا اذا ما أعدت واكتملت متطلباتها، ويبقى شعبنا مبتلى بجوعه ووجعه وساحات المدن تعج بالسائلات والسائلين يمدون أيديهم بكرامة مهدورة لمن يتصدق عليهم من المحسنين.
والسؤال لماذا تتكرر هذه المنقبة في كل عام ؟ وبدلا من إقرار الموازنة بعد إنجازها من الحكومة من قبل مجلس النواب قبل انتهاء العام وهو الوقت المثالي لتحقيق الأهداف الاقتصادية المستهدفة إلا وتدخل في أزمة لا تخرج منها إلا بعد عدة أشهر وما يترتب على هذا التأخير من تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية بانتظار أن تدخل على الخط قوى معينة من الداخل أو الخارج لتصلح ذات البين حيث تعاد من جديد أزمة رواتب موظفي الإقليم مع بروز أزمة بين حكومة الإقليم والشركات النفطية العاملة هناك.
إذا كان تأخير الموازنة في الأعوام السابقة يرجع من بين أسباب عديدة إلى الخلافات بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم بصرف النظر عن رؤية الإقليم المثيرة للجدل بشان أسلوب الاستثمار في قطاع النفط نتبجة لخلافات كانت عصية على الحل دون أن يقدم الطرفان تنازلات متقابلة مقرونة بنوايا حسنة وهو ما يؤخر إقرار الموازنة، ومع الأخذ بعين الاعتبار التخفيف من هذه العسرة من قبل وزارة السوداني تبقى الموازنة تحت وطأة أسباب أخر فأنها وهي ترسل إلى البرلمان تكون محملة بالألغام كورقة ضاغطة من قبل قوى سياسية لها فاعلية في الحكومة والبرلمان لسحب الطرف الآخر إلى مواقعها، وهذا هو السبب الثاني، أما السبب الثالث فانه يمثل ضربا تحت الحزام فالتركيبة الطائفية في البرلمان انتجت خلافات عميقة بين الكتل الممثلة فيه وبدلا من البحث في إطار الشرعية الدستورية عن الحلول للأزمات راحت هي نفسها تخلق الازمات وتعمقها حتى يصبح الحل ميؤوسا منه فتلجأ بعض هذه الكتل للانسحاب من البرلمان في ظروف أشد مساسا بحياة الناس وأمنهم ومعيشتهم في مسعى لأسقاط الطرف الآخر سياسيا والقاء الكرة في ملعب الحكومة متناسية أنها جزء من الحكومة بل جزء هام واساسي لا تستطيع ان تبرئ نفسها بأي شكل من الأشكال عن سوء الأداء الحكومي واظهار نفسها بانها الطرف المغدور. كل تلك الأسباب التي سقناه لفترة مضت لتحيل الموازنة إلى غرفة الإنعاش. إن غياب الحسابات الختامية تضيف إلى الموازن عقدة مستدامة لا تبرير لها إلا إبقاء الفساد معششا في مؤسسات الدولة ناهيك عن غياب التوازن في التخصيصات المالية وجهات الإنفاق ودلالاتها بما يؤدي إلى زيادة الأغنياء غنى وزيادة الفقراء فقرا وغيرها من أسباب لها مكان آخر في البحث والتحليل.
إن أمام الحكومة الجديدة مسؤولية معالجة الازمة المالية التي تعرقل استكمال الموازنة بكل أركانها فان معالجة الأوجاع الاقتصادية والاجتماعية متوقفة على سرعة إنجازها من أجل المضي في انجاز المشاريع الكبرى والاستراتيجية ولعل أبرزها مشروع طريق التنمية هذا عدا المشاريع المتوقفة وبعضها على أبواب الإنجاز.