اخر الاخبار

تشهد الحدود العراقية الإيرانية حالة من الحسبة الأمنية والترقب السياسي المعقد، عقب الإعلان الإيراني الأحادي عن وجود تفاهمات مع الحكومة الاتحادية في بغداد تقضي بـ "إخراج أو تسليم" عناصر الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة المتواجدة في إقليم كردستان.

يأتي هذا التطوّر في ظل تكتّم رسمي عراقي وتضارب واضح في المواقف بين بغداد وأربيل، حيث تصر طهران على إنهاء تواجد هذه الجماعات المسلحة قرب حدودها بشكل جذري، بينما تسعى السلطات العراقية إلى موازنة التزاماتها الأمنية الإقليمية مع محددات سياسية وإنسانية معقدة؛ ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع وحرب الرسائل السياسية في المنطقة.

في حين أن مصدراً أفاد لـ"إرم نيوز" بطرح الحكومة العراقية لثلاثة خيارات للمعارضة الكردية الإيرانية أثناء اجتماعات سابقة لها مع الفصائل العراقية التي يتم الضغط عليها أيضاً لنزع سلاحها.

 

تضارب المكتسبات والتسريبات حول الملف الأمني

تكشف خلفيات المشهد عن فجوة كبيرة بين الرواية الإيرانية الساعية لحسم الملف وفق الشروط العسكرية، وبين الواقع الميداني والسياسي داخل العراق.

ففي الوقت الذي تبث فيه وسائل الإعلام الإيرانية أنباءً تؤكد قرب إنهاء وجود الأحزاب المعارضة، تفيد المعطيات الميدانية بأن القوى السياسية والأمنية في بغداد وأربيل ما زالت تتعامل بحذر بالغ مع هذا الملف.

وتتداخل الحسابات الإقليمية بالمحلية؛ إذ تسعى طهران لفرض شروط مشددة على الشريط الحدودي لمنع أي نشاط عسكري، في حين تنفي القيادات الكردية تلقي أي إخطارات رسمية تطالب بالطرد الفوري أو التسليم الجماعي؛ ما يبرز حالة التجاذب المحموم خلف الكواليس بين مطالبات الحسم وشروط الأمر الواقع.

 

جذر الأزمة وسبب ظهورها الحالي مجدداً

يعود جذر الأزمة الحالية إلى الصراع التاريخي الممتد حول مقرات ومخيمات الأحزاب الكردية الإيرانية المسلحة والمدنية المستقرة في أطراف أربيل والسليمانية وكويسنجق منذ عقود، والتي كانت موضوعاً لاتفاق أمني وُقّع بين بغداد وطهران عام 2023 قضى بنزع السلاح وإبعاد تلك العناصر عن الحدود.

وفي خضم هذه التطورات، أفادت القيادية في "منظمة كادحي كردستان إيران" (حزب كوملة اليساري المسلح الناشط منذ سبعينيات القرن الماضي) كوثر فتاحي، لـ"إرم نيوز"، بتصرحات حاسمة رداً على التهديدات المثارة، مؤكدة رفض تنظيمها المطلق لمقترحات الترحيل أو التسليم.

وأوضحت فتاحي، في معرض إجابتها عن التساؤلات الجوهرية المطروحة حول مستقبل تواجدهم، أن النضال الكردي هو حراك قومي وسياسي تاريخي لا يمكن إجهاضه بالضغوط الأمنية أو إعلانات الطرف الواحد.

وشددت فتاحي في حديثها مع "إرم نيوز"، على أن حكومة بغداد وكذلك حكومة إقليم كردستان لم تبلغهما بـأي قرار رسمي يقضي بمنع النشاط السياسي أو إخلائهم، واصفة الأنباء المتداولة عن نقلهم إلى مخيمات معزولة في جنوب العراق بأنها تدخل في نطاق "الحرب النفسية والدعاية الإيرانية" لترهيب اللاجئين وعوائلهم.

كما رفضت القيادية الكردية رفضاً قاطعاً مقارنة وضع أحزاب المعارضة الكردية بتجارب سابقة لقوى مسلحة أخرى، مشيرة إلى أن تواجد أعضائهم وعائلاتهم يرتكز على روابط اجتماعية وتاريخية وثيقة مع مجتمع الإقليم، وأن مقراتهم الحالية هي مخيمات مدنية تعيش تحت وطأة التهديد والقصف المستمر، مؤكدة تمسكهم بالنضال السياسي والاجتماعي وترفض أي مساس بوجودهم أو عزلهم عن بيئتهم.

ورجحت فتاحي أن التصريحات الإيرانية موجهة بالدرجة الأولى إلى الداخل الإيراني وكذلك بأن نظام بلادهم يتحرك على جبهات عديدة، بالإضافة إلى اعتبارها أن التصريحات الحالية تدخل في خضم لعبة النظام الإيراني لخلط أوراق عديدة في المنطقة على حد تعبيرها.

وفي سؤال لـ"إرم نيوز" حول موقف الأحزاب الكردية الإيرانية في حال طلب منهم رسمياً من قبل بغداد أو أربيل بضرورة الإخلاء أو تسليمهم لإيران أو نقلهم أجابت: "لم يصل الوضع حتى الآن لهذا الحد ولا نتوقع أن يصل لهكذا تصعيد، ولكن إن ضاقت بنا السبل فسيكون لدينا خيارات وتكتيكات أخرى في سبيل الحفاظ على نضالنا وقضيتنا" دون توضيح تلك التكتيكات وشكلها.

 

تسريبات التسوية.. 3 سيناريوهات وقراءة في الخلفيات

على الجانب التحليلي، يكشف المحلل والكاتب السياسي حسام الحاج حسين، عن كواليس وخفايا المباحثات الأمنية بين بغداد والفصائل؛ حيث كشف بأنه علم من تسريبات موثوقه لديه عن قيادات سياسية بارزة حول وجود ورقة تفاوضية تتضمن 18 شرطاً صاغتها الفصائل العراقية حول ملف السلاح أثناء مفاوضاتها الأخيرة مع حكومة بغداد، واندرجت ضمنها ثلاثة سيناريوهات رئيسية مطروحة لحسم ملف الأحزاب الكردية الإيرانية الستة:

الأول: الترحيل إلى دولة ثالثة، على غرار النموذج الذي طبِّق سابقاً على منظمة "مجاهدي خلق" عند نقل عناصرها إلى ألبانيا. الثاني: الإبعاد والنقل الجماعي إلى معسكرات ومخيمات معزولة في جنوب العراق، وتحديداً في محافظة المثنى (السماوة) لتكون تحت رقابة القوات الاتحادية. الثالث: تسليم العناصر المتورطة بأعمال عنف ومحاكمتهم، مع تسوية أوضاع بقية الأفراد وفق أطر قانونية.

ويوضح المحلل الحاج حسين أن تحول الموقف الإيراني نحو التشدّد لم يأتِ من فراغ، بل نتج عن التطورات العسكرية والمواجهات الأخيرة بين واشنطن وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتلميحات الغربية والإسرائيلية بدعم هذه الفصائل الميدانية؛ ما جعل طهران تنظر لتواجد الأحزاب الكردية على طرف حدودها الشمالية بوصفه "وجوداً أمنياً خطيراً وقنبلة موقوتة" تماثل وجود نقاط تجسس متقدمة. 

وفي مقارنة تحليليّة مع ملف "مجاهدي خلق"، يُبرز التحليل الفارق الجوهري؛ حيث كان أغلب عناصر مجاهدي خلق يمتلكون جنسيات أمريكية وأوروبية مزدوجة سهلت عملية إجلائهم إلى ألبانيا، بينما لا يملك أفراد المعارضة الكردية سوى خيارات اللجوء المحلية؛ ما يجعل خيار التسليم المباشر لإيران بمثابة "انتحار وكارثة إنسانية" غير مقبولة إقليمياً ودولياً.

وبالتالي، ترجح القراءات الواقعية أن الحل الأقرب للتطبيق يكمن في سحب السلاح وتفكيك المعسكرات العسكرية، وتحويل تواجد هذه المجموعات إلى لجوء مدني وسياسي خالص تحت مراقبة السلطات الاتحادية العراقية، وإبعادهم عن خطوط التماس.

 

ورقة ضغط إقليمية.. وتساؤلات حول المرحلة القادمة

تتجه القراءة الإستراتيجية النهائية إلى التأكيد أن التصعيد الإيراني والإعلانات المتلاحقة من سفارتها ببغداد يمثلان، في جوهرهما، "ورقة ضغط سياسية وأمنية" تستغل التوقيت الإقليمي الحرج وانسحاب أو إعادة تموضع القوات الأجنبية، لإرغام بغداد وأربيل على اتخاذ إجراءات ميدانية أكثر قسوة وتجريد المعارضة الكردية من أي غطاء.

ويبقى السؤال المفتوح لمآلات الحدث خلال الفترة القادمة: هل ستنجح طهران في تحويل هذا الضغط الإعلامي والسياسي إلى خطوة تنفيذية تفرغ جبال كردستان من معارضيها ونقلهم إلى عمق الصحراء أو الخارج، أو أن الموانع الإنسانية والتعقيدات الميدانية ستفرض حلاً وسطاً يكتفي بنزع السلاح والإبقاء على النشاط المدني تحت أعين بغداد؟