اخر الاخبار

لم يؤد خروج آخر القوات الأمريكية من  العراق إلى إغلاق الذريعة التي طالما استخدمتها الفصائل المسلحة لتبرير الاحتفاظ بسلاحها، بل دفعها، وفق معلومات حصل عليها "إرم نيوز"، إلى توسيع تعريف "الوجود الأمريكي"، ليشمل النشاط الاستخباري والطيران وعناصر الحماية داخل المنشآت الدبلوماسية، بعدما انتهى فعلياً وجود القوات الأمريكية في القواعد العسكرية.

وقال مصدر سياسي مقرب من الإطار التنسيقي إن الفصائل المسلحة لا تعتبر ما جرى "انسحاباً كاملاً"، ونقل عن بعضها بأن لديها معلومات عن استمرار وجود قوات ومعدات أمريكية، فضلاً عن استخدام السفارة في بغداد لأغراض "استخبارية وعسكرية".

وأوضح المصدر أن الفصائل تدّعي امتلاك معلومات عن وجود عناصر بمهام قتالية داخل السفارة ومواقع أخرى، فيما أعلنت كتائب حزب الله أن الطيران الأمريكي "التجسسي والحربي" لا يزال يعمل في الأجواء العراقية، وتحدثت عن امتلاكها برقيات توثق تحركات أفراد أمريكيين حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول. لكن الكتائب لم تنشر حتى الآن تلك الوثائق، فيما تتعارض رواية استمرار الوجود القتالي، بصيغتها المطروحة، مع الوقائع المعلنة بشأن عملية الانسحاب.

 

انتهت القواعد وبقيت الذريعة

أعلنت الولايات المتحدة، في 30 سبتمبر/أيلول، اكتمال سحب قواتها المتبقية من العراق، وغادر آخر الجنود الأمريكيين قاعدة أربيل، مع نقل جزء من القوات والمهام إلى الأردن ودول أخرى في المنطقة. وأكد البنتاغون انتهاء مهمة "العزم الصلب"، فيما دخلت العلاقة الأمنية مع بغداد مرحلة مختلفة تقوم على التعاون الثنائي والتدريب وتبادل المعلومات بدلاً من انتشار القوات داخل القواعد العراقية.

وبذلك تحقق عملياً الشرط الذي وضعته الفصائل طوال السنوات الماضية في مقدمة مبررات احتفاظها بالسلاح، وهو خروج القوات الأجنبية.

غير أن خطاب بعض الفصائل بدأ ينتقل من المطالبة بـ"خروج القوات" إلى المطالبة بما تسميه "السيادة الكاملة"، وهو مفهوم أكثر اتساعاً يسمح بإدخال السفارة الأمريكية والتعاون الاستخباري والطيران الإقليمي وحتى طبيعة العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن ضمن مبررات استمرار السلاح.

ولا يعني ذلك أن النفوذ الأمني الأمريكي اختفى. فواشنطن ستواصل تقديم الدعم الاستخباري والتدريب للعراق، كما تحتفظ بقدرات عسكرية في دول المنطقة تستطيع من خلالها مراقبة التهديدات والتحرك عند الضرورة. لكن ذلك يختلف عن وجود قوات قتالية وقواعد أمريكية داخل الأراضي العراقية.

 

خط نهاية يتحرك

تكشف مواقف الفصائل أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالأمريكيين وحدهم. فقبل اكتمال الانسحاب، أعلنت جماعات مسلحة قوية أنها لن تسلم أسلحتها حتى بعد خروج القوات الأمريكية، وأضاف بعضها شروطاً جديدة، من بينها إخضاع قوات البيشمركة لسيطرة بغداد وإنهاء وجود الجماعات الكردية الإيرانية وحزب العمال الكردستاني. وقال مسؤول في أحد الفصائل صراحة إن النقاش بعد تحقيق تلك الشروط سيكون حول "تنظيم السلاح، لا تسليمه".

وهنا تظهر معضلة مختلفة؛ فكلما تحقق شرط يرتبط ببقاء السلاح، ظهر شرط آخر. والانسحاب الأمريكي الذي كان يفترض أن يفتح الطريق أمام حصر السلاح تحول بعد إنجازه إلى نقاش حول طبيعة السفارة، والطيران، والاستخبارات، ثم إلى ملفات البيشمركة والجماعات الكردية.

وبذلك يصبح الوصول إلى اللحظة التي تعلن فيها الفصائل انتفاء الحاجة إلى ترساناتها أمراً أكثر صعوبة، لأن معيار "السيادة الكاملة" يمكن توسيعه باستمرار.

وتزداد أهمية ذلك مع امتلاك بعض هذه الجماعات صواريخ وطائرات مسيرة وقدرات عسكرية تتجاوز مفهوم السلاح الفردي أو المحلي، ومع احتفاظها بهياكل قيادية تسمح لها بالتحرك خارج سلسلة القيادة الرسمية. وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت أن المرحلة التالية للانسحاب يجب أن تنتهي بحصر قرار الحرب والسلم والسلاح بالمؤسسات الدستورية.

 

من "حصر السلاح" إلى "تنظيمه"

وتظهر المفارقة بصورة أوضح في التحول اللغوي داخل النقاش السياسي العراقي. فبدلاً من "حصر السلاح بيد الدولة"، بدأ استخدام تعبير "تنظيم السلاح"، بما يسمح نظرياً بالإبقاء على الترسانات ضمن ترتيبات جديدة بدلاً من تفكيك الجماعات المسلحة المستقلة.

ويحذر الباحث السياسي العراقي إياد العنبر من هذه النقطة تحديداً، مشيراً إلى أن بعض الخطابات انتقلت بالفعل من مفهوم "حصر السلاح" إلى "تنظيمه".

ويقول العنبر، إن انسحاب القوات الأمريكية لا يعني اختفاء الدور الأمريكي، بل تحول أدواته؛ إذ تتجه واشنطن إلى تعويض الحضور العسكري المباشر بنفوذ سياسي واقتصادي أكبر، مع استمرار التعاون الأمني والاستخباري بين الدولتين. وفي المقابل، تواجه الحكومة العراقية اختباراً يتعلق بقدرتها على تنفيذ تعهد حصر السلاح، خاصةً مع تمسك قوى وفصائل مسلحة بترساناتها.

ويلفت العنبر إلى دلالة الانتقال في الخطاب من "حصر السلاح" إلى "تنظيمه"، لأن جوهر المسألة بعد خروج القوات لم يعد وجود التحالف بقدر ما أصبح قدرة الدولة العراقية على فرض سلطتها وقرارها الأمني على جميع القوى المسلحة.