اخر الاخبار

كشفت معلومات خاصة، لـ"إرم نيوز"، عن اتساع الخلاف بين رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي وقوى داخل الإطار التنسيقي، بعد انتقال هذه القوى من الاعتراض على طريقة إدارة ملفي السلاح والفساد إلى التشكيك في حدود التفويض السياسي الممنوح لرئيس الحكومة، رغم أن الإطار نفسه سبق أن منحه تفويضاً معلناً لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحصر السلاح بيد الدولة.

وقال مصدر سياسي عراقي، إن عقد اجتماعين لائتلاف إدارة الدولة خلال فترة قصيرة يعكس "حالة ارتباك سياسي كبيرة"، ويكشف عن تشظٍ في التوافق بين الحكومة وقوى داخل الإطار، خصوصاً حول حصر السلاح ومكافحة الفساد.

وأضاف المصدر لـ"إرم نيوز"، إن قيادات في الإطار تعتبر أن الزيدي "تجاوز التفويض" الذي مُنح له عند تشكيل حكومته، بعدما مضى بعيداً في ملفات حساسة اعتادت القوى السياسية إدارتها بالتوافق.

لكن المصدر يكشف في الوقت نفسه عن تحول أكثر دلالة، يتمثل في أن الإطار "لم يعد يناقش فقط كيفية تنفيذ قرار الحكومة، بل يحاول إعادة تعريف القرار نفسه"، عبر الانتقال من حصر السلاح فعلياً إلى صيغ مثل "إدارة السلاح" وتنظيمه واحتوائه، بما قد يسمح ببقاء ترسانة الفصائل خارج المخازن العسكرية التقليدية للدولة. 

 

الإطار فوّض الزيدي

وتكشف العودة إلى المواقف السابقة مفارقة سياسية كبيرة في الاعتراضات الحالية. ففي الثاني من يونيو/حزيران الماضي، أعلن الإطار التنسيقي، بعد اجتماعه الدوري بحضور الزيدي، تفويض رئيس الوزراء "اتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات" لتنفيذ توجه حصر السلاح.

ولم يكتفِ الإطار بذلك، بل أعلن دعمه صراحة لمشروع حصر السلاح بيد الدولة، وفك ارتباط هيئة الحشد الشعبي بالأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم من اختصاص المؤسسات الدستورية، وأن أي تحرك خارجها يمثل مخالفة للقانون.

أي أن الزيدي لم يبدأ مسار حصر السلاح منفرداً، بل حصل في بدايته على غطاء واضح من القوى الشيعية التي تشكل الإطار. ثم توسع الغطاء السياسي أبعد من ذلك إلى ائتلاف إدارة الدولة، الذي يمثل المظلة السياسية الأوسع، والتي تضم، إلى جانب القوى الشيعية، القوى الكردية والسنية وشركاء آخرين في العملية السياسية.

وفي اجتماعه مطلع أغسطس/آب، أكد الائتلاف بحضور قيادات الدولة والقوى السياسية دعمه لحصر السلاح بيد الدولة، والالتزام بتوقيتات تبدأ بعد 30 سبتمبر/أيلول، مع اعتبار أي سلوك مسلح خارج إرادة الدولة بعد ذلك خاضعاً للتعامل القانوني وفق قانون مكافحة الإرهاب.

كما عادت الرئاسات الأربع، في 17 أغسطس/آب، لتؤكد أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أساساً لترسيخ سلطة الدولة وسيادة القانون.

وهنا يظهر السؤال الذي يضع الاعتراض الحالي أمام تناقض واضح، وفقا للمصدر: إذا كان الإطار قد فوّض الزيدي، وائتلاف إدارة الدولة أقر المسار، والرئاسات الأربع دعمته، فمن الذي تجاوز التوافق فعلاً؟

 

إعادة تعريف القرار

مع اقتراب 30 سبتمبر/أيلول، بدأ المشهد يتغير. وبدلاً من الانتقال إلى تنفيذ قرار سبق أن حظي بغطاء سياسي واسع، دخلت قوى في الإطار في مفاوضات جديدة مع الفصائل حول معنى "حصر السلاح" نفسه.

وبحسب وسائل إعلام عراقية، شكل الإطار لجنة ثلاثية تضم محمد شياع السوداني ونوري المالكي وهادي العامري للحوار مع الفصائل، فيما بدأت مفردات "التنظيم" و"الاحتواء" تحل تدريجياً محل مفهوم النزع الفعلي للسلاح.

وتتضمن الخيارات التي جرى تداولها نقل الأسلحة إلى مخازن هيئة الحشد الشعبي مع تسجيلها وتوثيق ملكيتها، أو إبقاء أسلحة داخل مخازن الفصائل نفسها مقابل تعهد بعدم استخدامها إلا بموافقة رسمية.

ووفقا للمصدر، تمثل الصيغة الثانية تحديداً تراجعاً كبيراً عن مفهوم احتكار الدولة للسلاح؛ إذ قد تمنح الحكومة سلطة القرار النظري باستخدام الترسانة، لكنها تترك ملكيتها وحيازتها الميدانية لدى الجماعات المسلحة.

وفي الثالث من سبتمبر/أيلول، تحدثت معلومات عن "مؤشرات إيجابية" في حوار اللجنة الثلاثية مع الفصائل، لكن الحل الذي يجري البحث عنه أصبح يقوم على "احتواء" السلاح وتنظيمه، لا على تنفيذ صيغة واحدة واضحة لحصره.

 

السلاح يختفي من الاجتماع

وجاء اجتماع ائتلاف إدارة الدولة في 5 سبتمبر/أيلول ليضيف مؤشراً آخر على حجم المأزق. فالاجتماع الثامن والثلاثون، الذي استضافه الزيدي في القصر الحكومي، ناقش الملفات السياسية والاقتصادية والتشريعية والوضع المالي والعقوبات ومكافحة الفساد، لكن البيان الصادر عنه لم يقدم حلاً لملف حصر السلاح، رغم بقاء أسابيع قليلة على انتهاء المهلة.

وبعد الاجتماع مباشرة، بدأ التحضير للقاء جديد يضم أطرافاً حكومية وعسكرية وأمنية، وقيادات من الإطار، وهيئة الحشد الشعبي، وممثلين عن الفصائل، كما يقول المصدر السياسي، مشيراً إلى أن المفارقة تكمن في أن الاجتماع الجديد سيبحث أسئلة كان يفترض أن تكون قد حُسمت قبل مرحلة التنفيذ، من قبيل: من يستلم الأسلحة، وأين تخزن، وما الضمانات التي تحصل عليها الفصائل؟ ويلفت إلى وجود قرار سياسي سبق أن حصل على غطاء واسع، وهو يتحول إلى موضوع تفاوض جديد كلما اقترب موعد تطبيقه.

 

"صولة الفجر".. الخلاف الثاني

ولا ينفصل ذلك عن المواجهة الأخرى التي يخوضها الزيدي في مكافحة الفساد. فحملة "صولة الفجر" فتحت ملفات وشبكات مالية مرتبطة بمسؤولين وقوى سياسية. ويلفت المصدر في هذا السياق، إلى ظهور اعتراضات داخل بعض الأوساط السياسية على آليات الاعتقال والملاحقة، بينما تتمسك الحكومة بأن الأجهزة المختصة والقضاء لا ينبغي أن يحتاجا إلى موافقة الأحزاب قبل تنفيذ الإجراءات القانونية.

وفي اجتماع ائتلاف إدارة الدولة الأخير، حضر رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وعرض الإجراءات القانونية المتعلقة بعدد من القضايا المهمة، في خطوة تعكس حساسية الملفات التي أصبحت أمام القضاء".

ويرى المصدر أن ملفي الفساد والسلاح يلتقيان عند المشكلة ذاتها والسؤال ذاته: هل تستطيع الحكومة تنفيذ قرارات الدولة عندما تمس مصالح قوى سياسية ومسلحة، أم أن التنفيذ يتوقف عندما ينتهي التوافق؟ 

 

اختبار سلطة الدولة

يرى الباحث السياسي العراقي مهند الجنابي أن الخلاف لم يعد يتعلق بموعد زمني أو بتفاصيل فنية، وإنما بمبدأ احتكار الدولة لسلطتي القوة والقانون.

ويقول الجنابي لـ"إرم نيوز" إن "التراجع من حصر السلاح إلى تنظيم استخدامه يخلق إشكالية حقيقية؛ لأن الدولة لا تحتكر القوة إذا بقيت الترسانة ووسائل السيطرة عليها لدى تشكيلات تمتلك قياداتها وهياكلها المستقلة".

ويضيف أن "وجود غطاء سياسي سابق لتحركات رئيس الوزراء يجعل الحديث عن تجاوزه للتفويض بحاجة إلى تفسير، خاصةً إذا كان جوهر ما يقوم به تطبيق قرارات سبق أن أعلنت القوى السياسية نفسها تأييدها لها".

وبحسب الجنابي، فإن مكافحة الفساد تضع النظام السياسي أمام الاختبار ذاته، لأن استقلال المؤسسات لا يتحقق إذا أصبحت الإجراءات القانونية مرهونة بحسابات القوى التي ينتمي إليها المشتبه بهم.

واليوم؛ تبدو المواجهة التي تتشكل في بغداد أكبر من خلاف حول مهلة تنتهي في 30 سبتمبر أو حملة اعتقالات. فبينما يحاول الزيدي توسيع المساحة التي تتحرك فيها الدولة بعيداً عن حسابات الأحزاب والفصائل، تسعى قوى داخل الإطار إلى إعادة القرارات الكبرى إلى نقطة الصفر.

وبين المسارين يتشكل اختبار ربما يكون الأصعب لحكومة الزيدي: هل تبقى الدولة صاحبة القرار، أم يصبح تنفيذ قراراتها نفسه بحاجة إلى موافقة القوى التي يفترض أن تخضع لها؟