العربي الجديد
رغم أن المتبقي على مهلة تسليم الفصائل العراقية الموالية لإيران سلاحها للدولة العراقية، خمسين يوماً، كما حدّدت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي ذلك في الثلاثين من سبتمبر/ أيلول المقبل، إلا أن صورة واحدة لم تظهر لعمليات استلام الأسلحة أو تسليمها، حتى بالنسبة إلى تلك الفصائل التي أعلنت استعدادها لذلك، كما لم تكشف الحكومة عن نوعية السلاح أو حتى تصدر بيانات بشأن استلامها شيئاً.
تسلّم أسلحة الفصائل العراقية
كل ذلك يفتح أبواب التساؤل عن خطوات الحكومة الميدانية تجاه الملف الأكثر تعقيداً في البلاد سياسياً وأمنياً، مع استمرار تحدي فصائل عدة، وهي الأكبر عدداً وتسليحاً لهذه الخطوة. ورغم أن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قال، خلال زيارته منتصف شهر يوليو/تموز الماضي إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إن "أسلحة كثيرة سلّمتها بعض الفصائل، وأنه بعد 30 سبتمبر/أيلول (المقبل) لا حاجة لوجود أي فصائل"، إلا أنه لم يكشف عن أي تفاصيل أخرى.
ولم يشرح الزيدي الآليات التي جرت عبرها عملية تسلّم سلاح الفصائل العراقية أو نوعيته، أو حتى الفصائل التي أقدمت على التسليم والخضوع لمشروع "حصر السلاح في يد الدولة". إلا أن مسؤولاً قريباً من الزيدي، أوضح لـ"العربي الجديد"، أن "عملية استلام السلاح من فصائل قليلة جداً، جرت بشكلٍ سرّي، وتحت إشراف ممثلين عن الفصائل ذاتها وهيئة الحشد الشعبي ووزارات الدفاع والداخلية وأجهزة الأمن الوطني والاستخبارات، وقد جرى توثيق عمليات التسليم، وعُرضت في اجتماع سابق لتحالف الإطار التنسيقي (التحالف السياسي الحاكم)، كما عُرضت على مسؤولين أميركيين قبل زيارة الزيدي إلى واشنطن وأثناءها".
وأضاف المسؤول، أن "من حق الصحافيين ووسائل الإعلام أن تتساءل عن آلية التسليم ونوعية الأسلحة التي سلّمتها الفصائل العراقية إلى الدولة، لكن هذا الملف أمني بحت، وهو مرتبط بالسياق السرّي، وليس كل ما تقوم به الدولة، يمكن أن تنشره في الإعلام أو تعلن عنه"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "الفصائل التي سلّمت سلاحها إلى الدولة، قد تكون قد احتفظت بقليلٍ من الأسلحة العادية، لكنها بقرارها هذا، منحت نفسها الأمان من أي عملية قد تقدم عليها الدولة العراقية ضد الفصائل من جهة، وأبرت نفسها وساحتها من أي أعمال إرهابية قد تحدث في المستقبل تستهدف المنشآت العراقية، أو الهجمات على دول مجاورة".
لكنه في الوقت ذاته كشف عن أن الفصائل الأهم لم تتجاوب، وهي كتائب حزب الله، والنجباء، وسيد الشهداء، والبدلاء، والأوفياء، كما أن مليشيات أخرى، رُصدت وهي تنقل محتويات مخازن لها إلى أماكن مجهولة، واصفاً مهلة الثلاثين من سبتمبر بأن الوصول إليها دون إتمام الاستحقاق لا يعني فشلاً، بل انتقالاً من حالة انتظار استلام السلاح، إلى التحرك وفق القانون تجاهه من قبل القوات العراقية، وفقاً لقرار (رسمي) اعتبر أن أي سلاح خارج الدولة بعد هذا التاريخ سيتم التعامل معه بحسب قانون مكافحة الإرهاب.
وكشفت وزارة الداخلية العراقية، أمس الاثنين، عن إغلاق 71 مقراً وهمياً للحشد الشعبي، مؤكدة أن أي طائرة مسيّرة تحلق دون موافقات تعامل "معاملة الإرهاب هي ومطلقوها".
ودخلت الإجراءات الأمنية في العراق مرحلة أكثر تشدداً مما كانت عليه سابقاً، إثر صدور توجيهات عليا بتكثيف عمليات التفتيش في الحواجز الأمنية داخل المدن وبين المحافظات، مع منع استثناء أي جهة من تلك الإجراءات، حتى العجلات العسكرية، في خطوة تؤشر على استراتيجية أمنية عراقية تهدف إلى إحكام السيطرة على حركة الفصائل المسلحة. وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية، اللواء مقداد ميري، خلال مؤتمر صحافي خاص باللجنة الوطنية الدائمة لتنظيم الأسلحة وحصرها بيد الدولة، إن "اللجنة تمتلك حالياً بنك معلومات 6 ملايين قطعة سلاح في عموم البلاد"، لافتاً إلى أنه "كان هناك شيء من عدم الثقة والإقبال ضعيف على التسجيل المجاني للسلاح، لكن الموقف تغيّر الآن وبات الإقبال كبيراً".
وكانت فصائل مسلحة قد أعلنت، خلال الفترة الماضية، التزامها بقرار رئيس الوزراء العراقي بشأن حصر سلاح الفصائل بيد الدولة، معلنة فكّ ارتباطها بهيئة الحشد الشعبي، وتحوّلها إلى جهات سياسية ومدنية، وأبرزها "عصائب أهل الحق" التي يقودها قيس الخزعلي، والذي يقود حركة "صادقون" الفائزة بـ28 مقعداً بالانتخابات البرلمانية الأخيرة، حيث أعلنت فكّ ارتباطها بـ"الحشد الشعبي" والمباشرة بإجراءات تسليم السلاح للدولة.
كذلك قالت "كتائب الإمام علي"، بزعامة شبل الزيدي، إنها باشرت الخطوة ذاتها، وسبقتها جماعة "سرايا السلام"، الجناح العسكري للتيار الوطني الشيعي (التيار الصدري سابقاً) بزعامة مقتدى الصدر، التي أعلنت أنها وضعت سلاحها في 4 يونيو/حزيران الماضي تحت تصرف الدولة العراقية.
هذه الفصائل هي الوحيدة التي أعلنت موافقتها صراحة على عملية تسليم السلاح وأيّدتها، بل دعت بقية الفصائل العراقية إلى تسليم سلاحها، رغم أن "نوعية السلاح" الذي جرى تسليمه بقي مجهولاً، خصوصاً أن المعروف عن الفصائل العراقية امتلاكها أسلحة متطورة وصواريخ ومعدات حربية متقدمة حصلت عليها من إيران خلال السنوات العشر الماضية. لكن فصائل أخرى اختارت التمسك بالسلاح، معلنة رفضها تسليمه، وأبرزها "كتائب حزب الله"، التي تعتبر الأكثر نفوذاً وصلابة، وقد عرضت في مواقف سابقة "شراء" سلاح المجموعات التي تقرر تسليمه للدولة بدلاً من ذهابه إلى الحكومة.
كما ترفض حركة "النجباء" بقيادة أكرم الكعبي تسليم السلاح، وتصنف نفسها "حركة مقاومة عابرة للحدود"، بالإضافة إلى "كتائب سيد الشهداء" بقيادة أبو آلاء الولائي، التي تتمسك بسلاحها بالذرائع ذاتها العقائدية والميدانية، مع فصائل أخرى أصغر حجماً مثل "البدلاء" و"حركة أنصار الله الأوفياء" و"أولياء الدم"، التي تعتبر أن سلاحها "مقدس"، وأنه يُسلم إلى الإمام المهدي فقط.
وبحسب المصدر المسؤول، فإن "نوعيات السلاح عرفتها الأجهزة الأمنية، وأجرت جرداً لها، وأودعتها في مخازن تابعة للقوات العراقية، في حين لم يجر إلى غاية الآن اختيار آلية التعامل معها أو توزيعها على القوات الرسمية". ومن بين الأسلحة، "صواريخ كاتيوشا ومدافع هاون من النوع الثقيل، وسيارات مدرعة وعربات، وقاذفات الدروع"، في حين لم يتطرق المسؤول إلى الصواريخ بعيدة المدى، أو الطائرات المسيّرة التي تمتلكها أغلبية الفصائل.
ثقة مفقودة
في الأثناء، تواصلت "العربي الجديد"، مع قيادي في فصيل رافض لتسليم السلاح، حيث قال إن "جميع الفصائل بما فيها التي اختارت تسليم سلاحها، لم تسلّم سلاحها بالكامل، لأنها تريد الاحتفاظ ببعض القوة في حال الهجوم عليها من قبل الكيان الإسرائيلي أو الولايات المتحدة، وكل من يتحدث غير ذلك، فهو واهم". وأشار المصدر إلى أن "الفصائل المسلحة لا تريد مواجهة الدولة، بالعكس، بل كانت ولا تزال تدعم دولة عراقية قوية تواجه التحديات، لكن حجم المخاطر الخارجية يدفع الفصائل إلى رفض تسليم السلاح، لأنها لا تثق بالأميركيين والإسرائيليين الذين يسعون إلى جعل المنطقة بلا مقاومة من أجل تنفيذ مشروع التطبيع الذي ستواجهه الفصائل بكل ما تملك".
ولفت القيادي إلى أن "بعض الفصائل التي وافقت على تسليم السلاح، هي في الحقيقة لم تكن تتبع فكر المقاومة أصلاً، وكانت تستخدم المقاومة وسيلةً لتحقيق غايات سياسية وانتخابية، بالتالي فإن موقفها لا يعني أنها انشقت عن المقاومة"، معتبراً أن "سلاح المقاومة هو سلاح العراقيين، ولن يُسّلم إلى الدولة قبل أن تحقق الدولة سيادتها على أراضيها وطرد المحتلين وإنهاء الحرب على الدول المجاورة ولبنان وغزة".
من جهته، بيَّن الباحث والخبير الأمني سرمد البياتي، أن "مهمة حصر السلاح صعبة جداً على الدولة العراقية، لكنها ليست مستحيلة، ونحن بانتظار خروج القوات الأميركية نهاية سبتمبر المقبل، وعندئذ يمكن أن ننتظر نتائج عملية حصر السلاح في يد الدولة". ولفت إلى أن الفصائل التي أعلنت انفكاكها عن الحشد الشعبي وتسليم سلاحها بادرت بشكلٍ جيد لخدمة الدولة"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "نوعية السلاح يمكن أن تظهر خلال الشهرين المقبلين، وأن الفصائل الرافضة لتسليم السلاح قد تظهر لها مواقف أخرى بعد رحيل القوات الأميركية".