اخر الاخبار

كشفت مصادر عراقية لـ"العربي الجديد" عن استحداث قيادة عمليات عسكرية جديدة تحت مسمّى "قيادة عمليات البادية"، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في مناطق بادية المثنى والمناطق المحيطة بها، لا سيما المناطق الصحراوية القريبة من الحدود العراقية مع السعودية ودولة الكويت. ووفق المصادر، فإن "تشكيل القيادة الجديدة يمثل جزءاً من استجابة أمنية تهدف إلى منع تكرار سيناريو استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد دول الجوار، خصوصاً في ظل حساسية الحدود الجنوبية، وكذلك منع تحول أي ردات فعل خارجية على تلك الهجمات إلى ضربات داخل الأراضي العراقية، ما قد يضع البلاد أمام معادلة أمنية أكثر تعقيداً".

وتكتسب بادية المثنى أهمية خاصة بسبب طبيعتها الجغرافية التي تمتد على مساحات صحراوية شاسعة، ما يجعل السيطرة عليها تتطلب قدرات متقدمة في الاستطلاع والمراقبة والانتشار الأمني المستمر، إلى جانب جهد استخباري قادر على رصد التحركات غير القانونية في المناطق النائية والطرق الصحراوية. وليست مراقبة هذه المناطق إجراءً جديداً بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية العراقية، إذ سبق للقوات العراقية أن نفذت عمليات استطلاع جوي ومراقبة للبادية والطرق المؤدية إليها، بالتزامن مع عمليات استخبارية ونصب كمائن لمنع استغلال المساحات الصحراوية في عمليات التسلل أو التهريب أو التحركات المسلحة.

يمثل تشكيل القيادة الجديدة جزءاً من استجابة أمنية تهدف إلى منع تكرار سيناريو استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات ضد دول الجوار

 

ثغرات أمنية وتحركات مرتبطة بالمسيّرات

وبحسب المصادر، فإن الخطوة تحمل أبعاداً أمنية واستخبارية تتجاوز مجرد تعزيز الانتشار العسكري التقليدي، إذ تهدف إلى سدّ الثغرات الجغرافية التي يمكن أن تتحول إلى ممرات لتحركات مسلحة أو نقاط لإخفاء المعدات والمواد العسكرية، فضلاً عن منع استخدام الأراضي العراقية منصات لشنّ هجمات عابرة للحدود. وقالت مصادر عسكرية لـ"العربي الجديد" إن "توجيه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي باستحداث القيادة الجديدة جاء بعد تقارير استخبارية أشارت إلى وجود مناطق تعاني من ثغرات أمنية استغلتها جماعات مسلحة للتحرك بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية".

وأضافت المصادر أن "تلك التحركات شملت نقل أو إخفاء تجهيزات مرتبطة بالطائرات المسيّرة، فضلاً عن استخدام مناطق نائية نقاطَ انطلاق أو تحضير لهجمات استهدفت دولاً مجاورة للعراق". وأوضحت أن "مهمة قيادة عمليات البادية لا تقتصر على زيادة أعداد القوات المنتشرة في المنطقة، وإنما تهدف إلى إيجاد مظلة عملياتية موحدة تنسق عمل وحدات الجيش والأجهزة الأمنية والاستخبارية وطيران الجيش، مع إعادة توزيع المسؤوليات وسد الفراغات بين القطعات المنتشرة في تلك المساحات الواسعة".

وأكدت المصادر أن "هذا التوجه ينسجم مع السياسة التي أعلنها الزيدي منذ توليه رئاسة الحكومة، والمتمثلة في تعزيز احتكار الدولة الاستخدامَ الشرعيَّ للقوة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، كما تأتي الإجراءات الأمنية الجديدة أيضاً في إطار مساعي بغداد لمنع انزلاق العراق إلى مواجهة إقليمية أوسع".

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية إضافية في ضوء التطورات الأمنية التي شهدها العراق في أواخر يوليو/ تموز الماضي، عندما أعلنت السعودية تنفيذ ضربات جوية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ضد أهداف قالت الرياض إنها تابعة لجماعات مسلحة موجودة في العراق، ومرتبطة بهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية سعودية.

وقالت وزارة الدفاع السعودية آنذاك إن تلك الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية، قبل أن تنفذ القوات السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ضربات على أهداف داخل العراق في 29 يوليو. وتضع هذه التطورات الحكومة العراقية أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في منع استخدام أراضي البلاد لتنفيذ هجمات ضد دول الجوار، وفي الوقت نفسه حماية السيادة العراقية ومنع تحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة للردود العسكرية الإقليمية.

 

توحيد الجهد الأمني في العراق

وفي السياق، قال عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي ياسر وتوت لـ"العربي الجديد" إن "تشكيل قيادة عمليات البادية يمثل خطوة مهمة لتعزيز الأمن والسيطرة على المناطق الصحراوية المحاذية للحدود العراقية مع السعودية والكويت"، مشيراً إلى أن "طبيعة تلك المناطق واتساعها يتطلبان إدارة عسكرية متخصصة وتنسيقاً مباشراً بين مختلف صنوف القوات الأمنية".

وأضاف وتوت أن "تشكيل قيادة عمليات متخصصة للبادية من شأنه أن يسهم في توحيد الجهد الأمني والعسكري، وسد الفراغات الموجودة في بعض المناطق الصحراوية، ومنع استغلالها من قبل الجماعات المسلحة لتنفيذ تحركات أو عمليات تهدد أمن العراق ودول الجوار، فضلاً عن الحد من عمليات التهريب وأي نشاط غير قانوني". وشدد على أن "مصلحة العراق تقتضي منع استخدام أراضيه في أي عمل يستهدف دول الجوار أو المصالح الأجنبية، وفي الوقت نفسه حماية السيادة العراقية ومنع أي طرف خارجي من التعامل مع الأراضي العراقية باعتبارها ساحة للصراع".

وأشار وتوت إلى أن "نجاح قيادة عمليات البادية يتطلب توفير الإمكانات اللازمة، بما في ذلك القوات ووسائل المراقبة والاستطلاع الجوي والقدرات الاستخبارية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجيش وحرس الحدود وبقية الأجهزة الأمنية". وقال إن المسألة "لا تتعلق بزيادة أعداد القطعات فقط، وإنما ببناء منظومة متكاملة تستطيع رصد التحركات المشبوهة والتعامل معها قبل تحولها إلى تهديد". وأكد أن "فرض السيطرة على المناطق الصحراوية يمثل جزءاً من مسار أوسع تعمل عليه الدولة لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية ومنع تعدد مراكز القرار الأمني، خاصة ان العراق بحاجة اليوم إلى إجراءات عملية تعزز هيبة الدولة وتمنع أي جهة من اتخاذ قرارات عسكرية بمعزل عن المؤسسات الدستورية".

وختم عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية بالقول إن "تأمين البادية والحدود الجنوبية سيبعث برسالة واضحة إلى دول الجوار بأن الأراضي العراقية لن تكون منصة لاستهدافها، كما سيعزز قدرة الحكومة على حماية سيادة البلاد ومنع انجرار العراق إلى صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه". ويأتي إنشاء "قيادة عمليات البادية" في مرحلة تحاول فيها بغداد تحقيق توازن بالغ الحساسية بين حماية السيادة العراقية، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع الهجمات على دول الجوار، واحتواء التداعيات الإقليمية لأي نشاط مسلح ينطلق من الأراضي العراقية.

ومع اقتراب موعد 30 سبتمبر/ أيلول الذي حددته الحكومة محطة أساسية في مسار حصر السلاح وإنهاء مهمة التحالف الدولي، تبدو البادية الجنوبية واحدة من أبرز ساحات اختبار قدرة الدولة العراقية على فرض سيطرتها الأمنية على المناطق النائية، وسد الثغرات التي يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة، ومنع تحول الفراغات الأمنية إلى ممرات لصراع إقليمي جديد.