شهدت ليلة أمس الخميس، حالة قلق غير اعتيادية في مدن عراقية مختلفة، أبرزها بغداد، إذ كان من المتوقع أن تهاجم فصائل عراقية الأراضي السعودية، بعد انتهاء مهلة كانت قد حددتها سابقاً للحكومة العراقية، رداً على القصف السعودي الأميركي الأخير على مواقعها، إلا أن القوات العراقية دخلت في حالة إنذار ورفع للجاهزية بشكل غير مسبوق، بقرار حكومي.
وانتشرت قوات الأمن وجهاز مكافحة الإرهاب ووحدات من الجيش والأمن الوطني في العاصمة بغداد ومحافظات أخرى، إثر معلومات استخبارية أفادت باستعداد مليشيات كتائب حزب الله والنجباء لتنفيذ ضربات تستهدف السعودية، في تطور دفع بغداد إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة جديدة. وكان الانتشار الأمني والعسكري مربكاً للعراقيين، خصوصاً مع تداول أخبار من نشطاء وسياسيين تفيد بأن المنطقة الخضراء (الحكومية المحصنة) تحولت إلى ثكنة عسكرية، فيما تواترت أنباء عن اعتقال شخصيات سياسية وأخرى من تجار ومستثمرين ضمن حملة "صولة الفجر" التي أطلقتها الحكومة العراقية لمكافحة الفساد وملاحقة المتورطين فيه. وبالفعل، جرى نشر قوات مسلحة بأعداد كبيرة في المنطقة الخضراء ومناطق على أطراف العاصمة، حتى صباح اليوم الجمعة.
وأكد مسؤول أمني عراقي أن معلومات استخبارية دفعت إلى اتخاذ تلك الإجراءات المشددة، مبيناً لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم الكشف عن هويته، أن "المعلومات أكدت استعداد جماعة كتائب حزب الله لتنفيذ هجمات، يوم أمس، على السعودية، بعدما انتهت المهلة التي حددتها، رداً على الهجوم الأميركي السعودي". وأضاف أن "المعلومات دفعت القيادة الأمنية إلى إصدار أوامر عاجلة برفع مستوى الجاهزية في جميع الوحدات العسكرية، مع تشديد المراقبة والرصد الميداني، لمنع أي محاولة لتنفيذ هجمات قد تنطلق من الأراضي العراقية"، مشيراً إلى أن "حجم الانتشار الذي شهدته بغداد وعدد من مناطق البلاد غير مسبوق، واستمر حتى الصباح".
وكانت جماعة "المقاومة الإسلامية في العراق"، التي تضم عدداً من الفصائل المسلحة الحليفة لإيران، قد أعلنت، الأربعاء الماضي، منح الحكومة مهلة حتى 23 صفر، الموافق السادس من أغسطس/آب (الخميس)، لإثبات قدرتها على حماية السيادة العراقية والردع، مؤكدة أن ردها على الضربات "آتٍ لا محالة"، وقد يشمل أهدافاً داخل السعودية بعد انتهاء زيارة الأربعين.
وما زاد تعقيد الأزمة الأمنية، ظهور زعيم منظمة "بدر" هادي العامري (أحد قادة تحالف الإطار التنسيقي)، في مقطع مصور بعد منتصف الليل، دعا من خلاله فصائل "المقاومة الإسلامية في العراق" إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتغليب المصلحة الوطنية العليا، مطالباً بتأجيل أي ردة فعل عسكرية تجاه الهجمات الأخيرة التي طاولت البلاد. وقال العامري: "أدعوكم إلى ضبط النفس والتحلي بالهدوء من أجل مصلحة العراق العليا، وتأجيل أي ردة فعل تجاه الاعتداءات الأميركية - السعودية التي استهدفت العراق"، مشدداً في خطابه على اعتماد الحلول السياسية، ومؤكداً: "نعد جميع المجاهدين بأننا سنتابع حقوق الشهداء والجرحى عبر القنوات الدبلوماسية، وبعون الله سنحقق جميع المطالب".
وجاءت هذه التطورات إثر إعلان رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، مساء أمس الخميس، رفع جاهزية القوات الأمنية "ابتداءً من الشريط الحدودي وصولاً إلى العمل الميداني في جميع مناطق البلاد". وجاء هذا الإعلان في أعقاب اجتماع ضم مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري، ورئيس أركان الجيش، ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب، وعدداً من الوكلاء والقادة الأمنيين والمديرين العامين، وهيئة الحشد الشعبي، والضباط.
ووفق بيان رسمي، فإن "المجتمعين ناقشوا آلية تطبيق توجيهات القائد العام للقوات المسلحة ورفع الجاهزية، ابتداءً من الشريط الحدودي وصولاً إلى العمل الميداني في جميع مناطق البلاد"، مشيراً إلى أنهم "شددوا على عدم السماح بأن يكون العراق منطلقاً لأي تهديد داخلي أو خارجي لأي دولة"، مؤكدين "أهمية الجهد الاستخباري، والتعامل مع المعلومة بسرعة كبيرة، وضرورة توحيد الخطاب الإعلامي، ومكافحة الشائعات، والالتزام بالتعليمات، وتعزيز كل ما من شأنه الحفاظ على الأمن والاستقرار".
وفي السياق، لفت المسؤول الأمني في حديثه إلى "العربي الجديد" إلى أن "تدخل العامري لم يكن منفصلاً عن الحراك الحكومي، بل جاء بعد اتصالات مباشرة أجرتها قيادات في الإطار التنسيقي، نقلت إليه رسائل من الزيدي تطالبه بالتدخل لمنع أي تصعيد عسكري"، معتبراً أن "هذه الوساطة أسهمت في تخفيف حدة التوتر وتراجع الفصيل عن الهجوم الذي كان محتملاً".
ويشير هذا التطور إلى أن الحكومة العراقية تمر بوقت بالغ الحساسية، مع صعوبة فرض قرارها الأمني ومنع استخدام الأراضي العراقية ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، خصوصاً في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجهها بعد الضربات الأخيرة، وما تبعها من دعوات من بعض الفصائل للرد العسكري. ويجري ذلك في وقت من المرتقب أن يجري رئيس الحكومة العراقية، علي الزيدي، الأسبوع المقبل، زيارة رسمية إلى السعودية، بعد تأجيلها الأسبوع الماضي على خلفية الضربات الجوية السعودية الأميركية، بحسب ما أكده مصدر في الخارجية العراقية لـ"العربي الجديد" في وقت سابق.
من جانبه، لفت الخبير الأمني فاضل أبو رغيف إلى أن قرار رفع مستوى الجهوزية والإنذار إلى الدرجة (جيم) لدى جهاز مكافحة الإرهاب وبقية التشكيلات الأمنية يأتي في إطار الإجراءات الوقائية الهادفة إلى تعزيز الاستعداد الأمني، ولا يعكس بالضرورة وجود تهديدات وشيكة أو مؤشرات خطيرة. وقال أبو رغيف لـ"العربي الجديد"، إن "هذه الخطوة تعكس مستوى الجاهزية العالية للقوات الأمنية، وتبعث في الوقت نفسه برسالتين؛ الأولى داخلية تؤكد قدرة المؤسسات الأمنية على حفظ الاستقرار، والثانية خارجية مفادها أن العراق يمتلك قوات مدربة وقادرة على التعامل الفوري مع أي تطورات أمنية طارئة".
وأضاف أبو رغيف أن "جهاز مكافحة الإرهاب، الذي يحظى بسمعة متميزة على المستويين العربي والدولي، يمتلك كفاءة عملياتية عالية تؤهله لدرء المخاطر والتعامل السريع مع مختلف السيناريوهات الأمنية، وأن المؤشرات الحالية لا تدل على وجود مخاطر استثنائية، وإنما تعكس نهجاً استباقياً تتبعه الأجهزة الأمنية لضمان الجاهزية الكاملة، بما يعزز حالة الاطمئنان ويحافظ على استقرار الأوضاع الأمنية في البلاد".