ثمة ما يجعل الذاكرة تضج بالحنين، وبالأسئلة التي تستفز الزمن، وتثير كثيرًا من الشجن، حيث تتحول الأصوات الى ابواب، والارواح الى غيمات، والحكايات الى مراثٍ تتوهج بسيرة البلاد التي حفظتها الأغاني أكثر من البيانات والكتب السرية، إذ تكون الموسيقى هي روح الانسان، وهي عالمه الجمالي الذي يدفعه الى الحياة والأمل..
اغاني اليسار العراقي ذاكرة تمشي، لأنها عالقة بتدوين السيرة، وبالحكايات التي عبرت الزمن، لتصنع عالما موازيا، نستعيده كلما اصيبت الارواح باليباس، وكلما "ضاقت العبارة واتسعت الرؤيا" كما يقول النفّري، إذ تكون الأغنية جزء من تلك الرؤيا ومن الاتساع، حيث يتحول الحدْس بها الى قوة، ويتحول الانصات اليها الى طاقة ايجابية غامرة بالتوهج والجمال..
طارق الشبلي المُلحّن والمغني حمل فيضًا عميقًا من تلك الذكرة، صنع عبرها حنينًا وشغفا، فجعل من سرديات الصوت وكأنها زمن ايحائي بالوجود، يستغرق سعادات المعنى، وقلق الارواح التي تمور بالوجع الوطني.. صوته يتسع مثل قلب عاشق ومعلم، حتى يبدو وكأنه يحمل كثيرا من الوجدان، إذ يحفظ الشجن والالم اسراره وتورياته، وحتى الحانه يتبدى تدفقها من خلال مساحات صوتية مفتوحة، فيها من التأمل، ما فيها من التطريب، وفيها من المهارة ما فيها من السحر الذي يكشف عن خبرة، وعن حساسية موسيقية لها طعم جنوبي خالص..
في اغانيه تتبدى الجملة الموسيقية وكأنها جملة غير تقليدية، تكشف عن اختيار ذكي للمقام وتنغيماته، ففي اغنية "الصفصاف" لسعدون جابر يتحول مقام "النهاوند" الغامر بنبرة الحزن الى محمول رمزي، له احالاته النفسية والسياسية، وحتى اغنية " يمر بيّ هوى المحبوب يا يمّه" للمطرب محمد الشامي تحولت بايقاعها وحسيتها الى بيان موسيقي، من خلال ما حفلت به من حميمية وجدانية، اعطت لمقام "البيات" مرونة التمثيل العاطفي، في احالاتها ونقلاتها.. وحتى ألحانه للمطربة "سيتا هاوكبيان" في اغانيها " إبهيده هيده" و "لالي يا قمر لالي" و" زغيرون " و "شوقي خذاني" كان أكثر اقترابا من مساحتها الصوتية، مثلما كان منحازا الى مقامات النهاوند والبيات والحجاز، حيث الحسية العالية، وحيث روح "الهيوه البصرية" وكأنه بهذه التحويلات الموسيقية يكشف عن علاقة اللحن بالصوت، وعلاقة الصوت باستبطان ما يخفيه من افكار، ومن طاقات حرص الشبلي على أن يجعلها جزءا من شخصيته الثقافية والوطنية، فهو لا يلحن من اجل التلحين، بل كان يصنع نظاما موسيقيا، له احالاته الحسية والجمالية والرمزية والنفسية، وله خصوصيته الفنية في البناء اللحني، فضلا عن الحمولات الوطنية التي جعلت من الحانه تهجس بكثير من المواقف الوطنية، والمواقف الانسانية، حيث يتحول النص الموسيقي الى خطاب، والى علامة على حلم ظل الشلبي ينحاز اليه عبر اصوات ليست بعيدة عن منطقته الحسية..
علاقة الشبلي بالبصرة هي علاقة الذات بهويتها،
فبقدر ما هي ذاكرته، فإنه جعلها بيت وجوده بتعبير هيدغر، حيث تتحول اللغة الموسيقية الى لغة مكوث، والى لغة تأمل، والى تمثيل هوياتي لخصوصية ايقاعاتها التي تمزج بين الموروث الشعبي، والحان السفّانة، وبين وعيه لمفهوم "الحداثة الموسيقية" في رومانسيتها، أو في قوالبها المدينية، وحتى في اعتماد بعض التوزيعات الغربية، وبهذا يكون الشبلي واحدا من أكثر فنانينا اهتماما بالتركيب الموسيقي، وفي استثمار الايقاعات البصرية لصالح اغنية تتسم وطابع المعاصرة، لا سيما في الحانه كثير من المطربين مثل قحطان العطار وفاضل عواد ورياض احمد وصلاح عبد الغفور وصباح السهل وانوار عبد الوهاب، عارف محسن ومحمود انور وغيرهم، فضلا عن الحانه ذات البعد الشعبي في الأوبريتات مثل "اوبريت المعيبر شنان" الذي كتب كلماته على العضب، وكذلك في الحانه للفنان قصي البصري والفنان فؤاد سالم..
يمكن أن نعد طاقة التجريب في الحان طارق الشبلي، من العلامات المهمة، في عالم الموسيقى العراقية، وجدّتها في التعاطي مع تحولاتها، ومع تأثراتها بالموسيقى العربية والعالمية، وعلى النحو الذي بدت فيها تلك الالحان اكثر اثارة في تمثيل الذاكرة والموروث واليوميات الجديد، مع الانفتاح على زمن موسيقي معاصر، يحافظ فيه الشبلي على الهوية وقيمها الروحية، وعلى مرجعياتها الانثربولوجية، قبالة ما ينزع اليه من شغفٍ بتقانات التجديد، وبحيوية التجاوز المدروس والفعّال..