اخر الاخبار

كان ليف تولستوي شديد القسوة في أحكامه الأدبية، فلا يكاد يُقيم وزناً لكثير من معاصريه، بل ولم يتردد في توجيه انتقادات حادة لبعض أعلام الأدب الروسي، حتى إنه وصف قصائد ألكسندر بوشكين في إحدى المناسبات بأنها «هراء فظيع».مع ذلك، استثنى ألكسندر كوبرين من تلك الأحكام القاسية. فقد قال عنه: "أعتبر كوبرين أكثر كتّاب عصرنا موهبة. إنه فنان حقيقي، وصاحب موهبة هائلة. وهو يطرح قضايا الحياة بعمق يفوق ما يطرحه أقرانه". ولم يكن تولستوي وحده من أدرك مكانة كوبرين الأدبية. فحتى إيفان بونين ، المعروف بلسانه اللاذع وبصرامته في تقييم الكتّاب، والذي كان نادراً ما يُثني على أحد، استثنى كوبرين من أحكامه القاسية، وقال عنه: "كوبرين من حيث الموهبة... لا، ينبغي أن أقولها بصورة أقوى: إنه صاحب موهبة عظيمة حقاً".

ينتمي كوبرين إلى كوكبة من أبرز أعلام الأدب الروسي في مطلع القرن العشرين، ويشكّل نتاجه الأدبي إحدى أكثر الصفحات إشراقًا في تاريخ النثر الروسي الحديث.،فقد امتازت أعماله بعمقها الإنساني، وتعاطفها الصادق مع الناس، وحبها العميق للطبيعة الروسية، فضلًا عن اهتمامها المتشعب بالنفس البشرية وما يعتمل فيها من تناقضات. وقد جاءت كتاباته مشهدية نابضة بالحياة، بعيدة عن الافتعال والتنظير المجرد، ومنصرفة إلى البحث عن معنى الوجود واستكشاف العالم الداخلي للإنسان. فشغلته موضوعات الحب والصداقة والكراهية، وإرادة الحياة واليأس، والقوة والضعف، كما تناول القضايا الاجتماعية بروح إنسانية نافذة، كاشفًا عن دوافع شخصياته ومشاعرها بأقصى درجات الصدق والشفافية. ولم يكن هذا العمق الفني منفصلًا عن تجربته الشخصية؛ فقد كانت حياته حافلة بالأحداث التي تركت أثرًا واضحًا في إبداعه، بدءًا من طفولة قاسية، مرورًا بالخدمة العسكرية، وانتهاءً بسنوات المنفى ثم العودة إلى الوطن، وهي تجارب أسهمت في تشكيل رؤيته للإنسان والعالم، وجعلت من أعماله سجلًا أدبيًا ثريًا لمرحلة تاريخية شهدت تحولات كبرى وانهيار عالم قديم وولادة آخر.

حين وُلد كوبرين في 26 أغسطس/آب 1870، في بلدة ناروفتشات التابعة لمحافظة بينزا، بدا وكأن القدر رسم له منذ البداية طريقًا عسكريًا. فقد حمل اسم الأمير الروسي الشهير ألكسندر نيفسكي، وكان يرى في مصادفة ولادته في ذكرى معركة بورودينو إشارة ذات مغزى، وظل طوال حياته يولي هذه الرموز أهمية خاصة.

لم تدم سنوات الطفولة الهادئة طويلًا. فقد توفي والده، الموظف الحكومي البسيط، بمرض الكوليرا عام 1871، لتجد الأسرة نفسها في فقر مدقع. وكانت والدته، ليوبوف أليكسييفنا، تنتمي إلى أسرة تتارية نبيلة فقدت ثروتها، لكنها احتفظت بكبريائها وصلابة إرادتها. وقد بقي كوبرين يعتز بأصوله التتارية طوال حياته، وكان يسرّه أحيانًا أن يرتدي الزي التقليدي الذي ورثه عن أجداده.

وبفضل عزيمة الأم، انتقلت الأسرة إلى موسكو، حيث بذلت كل ما في وسعها لتؤمّن مستقبل أبنائها. فأُلحقت ابنتاها بمؤسسات تعليمية، بينما أُدخل ألكسندر، وهو لم يزل طفلًا، إلى إحدى المدارس الداخلية التابعة لدور الأيتام، لأن الفقر لم يترك للأسرة خيارًا آخر. ومن هناك بدأت رحلته الطويلة مع التعليم العسكري؛ فالتحق بالمدرسة العسكرية، ثم واصل دراسته في مدرسة ألكساندروفسكوي العسكرية، حتى تخرّج ضابطًا في سلاح المشاة عام 1890.

أمضى كوبرين أربعة أعوام ضابطًا في فوج مشاة نهر دنيبر المتمركز في مدينة بروسكوروف. وكانت تلك السنوات مدرسة حقيقية له؛ ففيها عرف حياة الجنود، واحتكّ بالناس على اختلاف طبائعهم، واختزن مشاهد وتجارب ستتحول لاحقًا إلى مادة خصبة لعدد من أشهر أعماله الأدبية. وكان يطمح في شبابه إلى مواصلة السلك العسكري وبلوغ رتبة جنرال، لكن القدر كان يخبئ له طريقًا آخر.

ففي عام 1893 قصد سانت بطرسبرغ ليلتحق بأكاديمية الأركان العامة، غير أن حادثة طريفة انتهت بإلقائه أحد رجال الشرطة في الماء حرمته من دخول امتحانات القبول، فعاد إلى وحدته العسكرية. وبعد عام واحد فقط اتخذ القرار الذي غيّر حياته كلها؛ إذ استقال من الخدمة العسكرية، واختار حياة الكاتب الحر، متخليًا عن مستقبل عسكري واعد.

انتقل إلى كييف، وعمل في الصحافة، ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلة جديدة من حياته، اتسمت بالتنقل الدائم بين المدن والمهن. فقد عاش في فولين وأوديسا، وسومي وتاغانروغ، وزارايسك وكولومنا وغيرها، وكانت كل مدينة يمر بها، وكل مهنة يمارسها، تضيف إلى رصيده الإنساني وتوسع معرفته بالحياة. وهكذا لم يكن كوبرين يكتب عن العالم من وراء مكتبه، بل كان يعيشه أولًا، ثم يحوله إلى أدب نابض بالحيوية والصدق

بالنسبة إلى ألكسندر إيفانوفيتش كوبرين، لم تكن الحياة منفصلة عن الأدب، بل كانتا وجهين لتجربة واحدة. فقد كان يؤمن بأن الكاتب لا يستطيع أن يصف الحياة بصدق ما لم يعشها بكل ما فيها من مغامرة وخبرة، لذلك ظل طوال عمره متعطشًا إلى التجارب الجديدة، متنقلًا بين المهن والأماكن، حتى غدت سيرته أشبه بالأسطورة.

وبفضل بنيته الجسدية القوية وطبعه الجريء، كان يستقبل كل تجربة بحماس وإقبال، الأمر الذي انعكس بوضوح في أعماله الأدبية. ويكاد النقاد يجمعون على أنه كان من أكثر الأدباء الروس في القرن العشرين صحةً وبهجةً وحبًا للحياة، وقد شكّل هذا التفاؤل إحدى أبرز السمات التي منحت أدبه دفئه الإنساني ونظرته الواثقة إلى الإنسان.

ولم يكن غريبًا، والحال هذه، أن تمتلئ قصصه ورواياته بصور الرجال الأقوياء الشجعان: الضباط، والمصارعين، والبحارة، والصيادين، وكل من يمتلكون قوة الجسد وصلابة الإرادة. فقد كان يكتب عن نماذج أحبها وعرفها عن قرب، بل كان يرى في كثير منها انعكاسًا لشخصيته هو نفسه.

وقد وصفه أحد معاصريه بقوله: «كانت رقبته كعنق ثور، وصدره وظهره كصدر وظهر حمّال، عريض المنكبين، بالغ القوة، حتى إنه كان يستطيع أن يرفع كرسيًا خشبيًا ثقيلًا بسهولة بيد واحدة».

امتحان الشهرة

واجه ألكسندر كوبرين، شأنه شأن كثير من كبار الأدباء، أصعب امتحان يمكن أن يواجهه الكاتب: امتحان الشهرة. فقد جاءت إليه الشهرة سريعًا بعد النجاح الكبير الذي حققته أعماله في مطلع القرن العشرين، ولا سيما بعد نشر رواياته وقصصه التي جعلت اسمه من أكثر الأسماء طلبًا في الأوساط الأدبية الروسية.

ويتذكر صديقه الكاتب إيفان بونين تلك الأيام قائلًا: «كان ذلك زمنًا كان فيه ناشرو الصحف والمجلات والمختارات الأدبية يطاردونه بعرباتهم المسرعة بين مطاعم سانت بطرسبرغ، حيث كان يقضي نهاراته ولياليه برفقة أصدقائه الدائمين والعابرين في جلسات الشراب. كانوا يتوسلون إليه أن يقبل منهم سلفة مقدارها ألف أو ألفا روبل، لا مقابل عمل منجز، بل لقاء وعدٍ بألا ينساهم حين يقرر نشر قصة جديدة. أما هو، ذلك الرجل الضخم ذو الوجه العريض، فكان يحدق فيهم صامتًا بعينين نصف مغمضتين، ثم يفاجئهم بهمسة تنذر بالغضب: "اخرجوا من هنا حالًا!"، فيختفون في التو كما لو ابتلعتهم الأرض».

ولم تكن هذه الصورة مجرد مبالغة أدبية؛ فقد كان كوبرين في تلك السنوات واحدًا من أكثر كتاب روسيا رواجًا، وكانت المجلات الأدبية الكبرى تتنافس على نشر أعماله، لأن اسمه وحده كان كفيلًا بزيادة المبيعات وجذب القراء. وقد أتاحت له هذه المكانة دخلًا لم يكن مألوفًا لمعظم الأدباء الروس في ذلك العصر، كما فتحت له أبواب المجتمع المخملي في العاصمة الإمبراطورية.

غير أن النجاح حمل معه وجهًا آخر أقل إشراقًا. فقد انجذب كوبرين إلى حياة البوهيميا الصاخبة في سانت بطرسبرغ، واختلط بأرستقراطيي الوسط الأدبي، ورواد المطاعم الفاخرة، ومغنيات الفرق الغجرية اللواتي كن يشكلن جزءًا من الحياة الليلية الروسية آنذاك، كما شارك في سباقات الخيل وغيرها من مظاهر الترف التي كانت تُعد من سمات الطبقة الميسورة في مطلع القرن العشرين.

ويروي معاصروه عددًا من الحكايات التي أصبحت جزءًا من الأسطورة المحيطة باسمه، ومن أشهرها حادثة إلقاء أحد الجنرالات في حوض لتربية سمك السترليت خلال إحدى السهرات الصاخبة، وهي واقعة كثيرًا ما استشهد بها كُتّاب المذكرات للدلالة على أجواء المجون والاستهتار التي كانت تميز بعض حفلات تلك المرحلة، سواء أضيفت إليها مع مرور الزمن مسحة من المبالغة أم لا لقد جرّب كوبرين، كما كتب بونين، معظم «الوصفات الروسية» التقليدية للهروب من الكآبة التي كثيرًا ما تعقب الشهرة الصاخبة: السهر الطويل، والشراب، وصحبة البوهيميين، والاندفاع في حياة لا تعرف الاعتدال. لكن تلك الحياة لم تمنحه السكينة التي كان يبحث عنها، بل استنزفت صحته وأرهقت أعصابه، حتى بدأ، بعد سنوات قليلة، يدرك الثمن الباهظ الذي قد يدفعه الكاتب عندما تتحول الشهرة إلى عبء لا يقل قسوة عن الفقر الذي سبقها بين عامي 1908 و1910 بلغ ألكسندر كوبرين ذروة نضجه الفني، واتجه إلى كتابة سلسلة من أروع أعماله التي جعلت من الحب موضوعها المركزي. لم يكن الحب عنده مجرد علاقة عاطفية عابرة، بل قوة روحية تسمو بالإنسان فوق أنانيته وضعفه، وتمنحه القدرة على التضحية والإخلاص، حتى وإن كان مصيره الفشل أو الفراق أو الموت. ولهذا السبب عدّه كثير من النقاد أحد أبرز كتّاب الحب في الأدب الروسي خلال مطلع القرن العشرين. افتتح كوبرين هذه المرحلة بروايته القصيرة «سولاميث»، التي استلهمها من «نشيد الأنشاد» في العهد القديم،، لكنه لم يكتفِ بإعادة سرد القصة التوراتية، بل أعاد صياغتها في قالب أدبي مفعم بالشاعرية والرمزية، فجعل من الحب قيمة أبدية تتجاوز حدود الزمان والمكان، ومن بطليه نموذجين للعشق الذي ينتصر على الفناء. وفي هذه الرواية يضع كوبرين على لسان الملك سليمان كلمات أصبحت من أشهر ما كُتب عن خلود الحب: «ما دام الناس يحبّ بعضهم بعضاً، وما دام جمال الروح والجسد سيظل أجمل الأحلام وأعذبها في هذه الدنيا، فأقسم لكِ يا سولاميث، أن اسمك سيظل عبر القرون يُنطق بالمحبة والامتنان.» تكشف هذه العبارة جوهر رؤية كوبرين للحب؛ فهو لا يقيسه بطول العمر، بل بعمق المشاعر وصفائها. فالحب الحقيقي، في نظره، لا تقتله النهاية المأساوية، بل يزداد إشراقاً كلما امتزج بالإخلاص والتضحية. ومن هنا جاءت «سولاميث» قصيدة نثرية طويلة تحتفي بجمال الإنسان، وتؤكد أن الحب الصادق هو إحدى القوى القليلة القادرة على هزيمة الزمن. ولم تتوقف هذه الرؤية عند «سولاميث»، بل واصل كوبرين استكشاف وجوه الحب المختلفة في أعماله اللاحقة، حتى بلغت ذروتها في رائعته « سوار العقيق »، التي تُعد من أسمى القصص في الأدب الروسي عن الحب غير الأناني. ففيها يعلن الكاتب، بصورة أكثر نضجاً وعمقاً، أن الحب الحقيقي هبة نادرة لا تُقاس بالوصال، بل بقدرة الإنسان على العطاء من دون انتظار مقابل. وهكذا رسّخ كوبرين مكانته بوصفه «مغنّي الحب السامي»، الكاتب الذي رأى في الحب أسمى تجليات الإنسانية، وجعل منه القيمة الأخلاقية والجمالية الأرفع في عالم كثيراً ما تطغى عليه القسوة والمصلحة والزيف.

الفصل الأخير من حياة كوبرين

لم يستطع ألكسندر كوبرين أن يتجذر في المنفى الفرنسي، رغم السنوات الطويلة التي قضاها بين أوساط المهاجرين الروس في ما عُرف آنذاك بـ«باريس الروسية». فقد غادر وطنه بعد الثورة البلشفية، لكنه حمل روسيا معه أينما ذهب، وظلت ذكرياتها تطارده في كل زاوية من حياته. وكان أصدقاؤه يسألونه دائماً: «ماذا تكتب الآن؟»، فيجيب بأسى متكرر: «لا أستطيع أن أكتب هنا...». لم يكن يقصد المكان وحده، بل تلك القطيعة المؤلمة مع الأرض التي كانت تغذي روحه وإبداعه. ومع ذلك لم يفقد كوبرين إيمانه بالحياة، وظل يردد عبارة أحبها كثيراً: «الحياة جميلة، وفيها بعث أبدي». كانت تلك الكلمات تبدو أحياناً محاولة لمقاومة الحنين الذي كان ينهش قلبه، وأحياناً أخرى تعبيراً عن أمل خافت في لقاء جديد مع الوطن البعيد. وقد روى الكاتب والصحفي الروسي أندريه سيديخ حادثة تكشف عمق هذا الشوق. ففي أحد أيام باريس، وأثناء تشييع كاتب روسي مهاجر، كانت الجنازة متواضعة وحزينة، ولم يحضرها سوى عدد قليل من المعارف. وفي طريق العودة أمسك كوبرين بذراع صديقه وقال بصوت خافت تغلب عليه المرارة: «يجب أن يموت الإنسان في روسيا، في بيته... مثل حيوان الغابة الذي يعود إلى وكره ليموت فيه». بدت العبارة آنذاك مجرد تأمل حزين، لكنها كانت في الحقيقة تلخص أعمق أمنياته. وعندما أتيحت له فرصة العودة إلى الاتحاد السوفيتي عام 1937، لم يتردد كثيراً. فمهما كانت مواقفه السياسية وتحفظاته على السلطة الجديدة، فإن الحنين إلى الوطن كان أقوى من كل الاعتبارات الأخرى. وقد عاد شيخاً مريضاً أنهكته سنوات المنفى والغربة، لكنه وجد عزاءً عميقاً في أن تطأ قدماه أرض روسيا من جديد.

كانت الأشهر الأربعة عشر الأخيرة من حياته مزيجاً من السعادة والألم. السعادة لأنه عاد أخيراً إلى الوطن الذي ظل يحلم به، والألم لأن المرض كان قد استنفد قواه ولم يترك له سوى وقت قصير. وفي الخامس والعشرين من آب/أغسطس عام 1938 توفي ألكسندر كوبرين عن ثمانية وستين عاماً. وهكذا تحققت الأمنية التي أفصح عنها ذات يوم في باريس؛ فقد عاد إلى وطنه ليموت فيه، كما يعود حيوان الغابة إلى وكره الأخير.

أما زوجته إليزافيتا موريتسيفنا، التي شاركته أكثر من ثلاثين عاماً من الحياة، فقد تلقت وفاته كضربة قاسية لم تستطع تجاوزها. وانصرفت بعد رحيله إلى جمع مخطوطاته ورسائله وصوره وكل ما يتعلق بحياته الأدبية والشخصية، وحولت شقتهما في شارع ليسنوي إلى متحف منزلي صغير يحفظ ذكراه.

ــــــــــــــــــــــ

صدرت ترجمة عربية لأعمال كوبرن: قصص "سواد العقيق" عن دار التقدم/ موسكو/ ودار الهلال/ القاهرة. كما ترجم الاستاذ عدنان جاموس روايته "الحفرة" وصدرت عن وزارة الثقافة- دمشق 1999. المحرر الثقافي.