اخر الاخبار

قد يبدو سؤال التنوير مثيرا للجدل، واحيانا للسخرية، فوسط عالم يفقد مركزياته وسردياته، يتحول هذا السؤال الى اشكالية تاريخية ومعرفية، والى موقفٍ مكشوفٍ على كثير من التناقضات، لاسيما في النظر الى علاقة هذا التنوير ب"العقل الثقافي" و"العقل السياسي" وبالفشل الذي تواجهه مؤسسات الدولة، وضعف بناه الداخلية، المعنية بالعلم والمعرفة والتعليم والتربية والاقتصاد والصحة والبيئة، وعلى النحو الذي يتحول الفشل المؤسسي الى فشل في ادارة السياسات..

العودة الى حديث التنوير، لا تعني من جانب آخر العودة الى سؤال عمانوئيل كانط "ما الأنوار" ولا الى سؤال تودوروف "ما التنوير" بقدر ماتعني مقاربة أزمة الإنسان المعاصر، الأنسان المحاصر بالفشل والعجز، والعالق بكثير من حبال "الخرافة" التي فقد معها وعيه بالعقل والمستقبل والنقد، وبمؤسسة "الدولة" وقوتها في ضبط النظام والقانون، وفي اثراء برامج ومشاريع التنمية والأمن الثقافي..

الحاجة الى التنوير اضحت قارّة، ليس لمواجهة "التظليم" و"التجهيل" الاجتماعي والثقافي والسياسي فحسب، بل لمواجهة سلسلة من "التعثّرات" اولها فشل المشاريع النهضوية والاصلاحية، وحتى الديمقراطية، وفشل نخبها السياسية، والفشل في تنظيم وتحديث البنى الادارية والخدماتية، فضلا عن الفشل في مواجهة احتكار السلطة والثروة، وصولا الى الضعف في مواجهة الجهل بوصفه الظاهرة الأكثر عمومية، والأكثر ضغطا في شعبويتها، وفي اعراضها الاجتماعية والسياسية والثقافية، وفي تعطيلها لفاعليات العقل والمنطق، وتقويض أية ممارسة نقدية، واجرائية للدفاع عن قيم العلم والمعرفة، ولأهمية القبول بقيم العدل والسلم الأهلي والتعدد والتنوع.

لقد اسهم الجهل كونه الضد النوعي للتنوير، في تكريس اعراض عطالة التنمية، وفي فرض مركزيات عشوائية لخطاب الخرافة، والسحر و"الوعي الزائف"، فضلا عن دوره في تكريس سياسات "العزل الثقافي" على مستوى المدرسة والشارع والمؤسسة والجامعة، او على مستوى الوعي بالحقوق العامة والخاصة، إذ تلعب هذه السياسات دورا مُشوّها في تقويض أية خيارات حقيقية للتقدّم، ولتطوير قدرات الاجتماع، في تمثيل فاعليات القوة الاجتماعية والسياسية، وفي صياغة سمات "الكتلة التاريخية" و"الرأسمال الرمزي" بوصفها مصادر مهمة في بناء المؤسسات الحاكمة، وفي صناعة المجال السيميائي الذي يُشرعِن قوة العقل في سياق مواجهته استحقاقات بناء الدولة، والنظام الحقوقي والمعرفي والتعليمي والاقتصادي، وعلى نحوٍ يمنح مشروع التنوير أفقا للإنوجاد والقبول والتداول، ولتسويغ آليات عمله في الاجتماع الثقافي، وفي مواجهة مظاهر الكراهية والتكفير والعزل واقصاء الآخر، فضلا عن دوره في تعزيز عمل المؤسسات المدنية، مقابل مواجهة عمل الجماعات ومركزيات الاستبداد، والتي تسوّغ خطابها العنفي، بوصفه خطابا شرعيا وصيانيا وتاريخيا.

خطاب التنوير هو الخيار القار للتعبير عن وعي الحاجات، وعن مراجعة  معطيات الواقع العراقي، وتاريخ صراعاته العنفية والاجتماعية والطائفية والرعب الذي تركته الذاكرة الانقلابية في صناعة مراكز الرعب والاستبداد والجهل. من هنا ندرك خطورة الفقر التنويري، ورثاثة عمل المؤسسات والنُخب في التعاطي مع اسئلته واستحقاقاته، فبقدر العجز عن النظر الى غياب توصيف الدولة، وهويتها، وعطالة بناه التحتية، فإنّ الغياب سيكون مدعاة لنشوء نظام جماعوي- والى ايديولوجيا دوغمائية، تتكىء على أوهام عالقة بمركزية التاريخ، وبغواية خطابها الايهامي، والذي يسوّغ وجوده عبر سلطة تقوم بإحتكاره وتشييئه واستعماله، والى أدلجته عبر معايير تؤطر سياسات العنف والتحكّم والإخضاع.

القصور في عقلنة التنوير، اسهم في ايجاد برايغمات مشوهة، وعبر اليات تمثيلة، او هيمنات ذات مزاج شعبوي، فرضت نفسها عبر السلطة او عبر الجماعة، حيث يبدو وكأنه ممارسة متعسفة وسلبية، لا أثر لها في الواقع، ولا في العمل، فكلّ مايشاع هو تدوير للمركزيات، وللحاكميات، وعبر شعارات إيهامية وذات منحى إحيائي، او رمزي، يتغوّل فيها خطاب الجهل بالتاريخ، وبقيم التنوع والمشاركة، بعيدا عن أيَ استنهاض لقوة الفرد، وللعناية بدوافع قواه الاجتماعية والثقافية، وفي تجاوز عقده القديمة مع التاريخ والهوية، ومع جماعات الاستبداد والعنف والطائفية والعنصرية، والتي احتشد بها تاريخ "الدولة العراقية" عبر ظواهر العسكرة والانقلابات، وصعود المدّ الشعبوي والطائفي، والتي كرست وجود فاضح للمؤسسة المستبدة، وللعقل المُستبد في عنصريته وفي شوفينيته، والذي أسهم طوال أكثر من نصف قرن في قطع الطريق على أيِّ تعاط حقيقي ونقدي مع اسئلة "الحداثة" والتقدم، والمدنية.