اخر الاخبار

صدر هذا العام ديوانٌ شعري للشاعر العراقي معتز سامي الحمداني بعنوان "سواليف الشمع للماي"، وهو إصدارٌ يمثّل إضافةً مهمةً وقيمةً إلى مسيرة القصيدة الشعبية الحديثة الحرة. وتنبع أهمية هذا العمل وفرادته من انتمائه إلى القصيدة الشعبية الحديثة، هذه القصيدة التي تتمتع بالحسّ الثقافي العالي الذي يتمتع به شاعرها، ومن رؤيته الثاقبة وتجربته الرصينة التي تنطوي على التأمل والدقة والخبرة والتأنّي.

لقد بدأ مشوار القصيدة الشعبية الحرة، وتشكّلت ملامحها الأولى من خلال تجربة الشاعر العراقي الراحل مظفر النواب، الذي يُعدّ، برأيي، أول من وضع للقصيدة الشعبية منهاجًا أسهم في تأسيس مرحلة انبثاق الشعر الشعبي الحر الحديث.

وكما هو شأن الشعراء الكبار الذين أبدعوا في كتابة النص الاستثنائي، إبداعًا وفلسفةً وجمالًا ودهشةً، في فضاء القصيدة الحرة، أمثال: طارق ياسين، رياض النعماني، ريسان الخزعلي، وشاكر السماوي، وعزيز السماوي، وعلي الشباني، وكاظم لاله، وكاظم غيلان، وكامل الركابي، ونوفل الصافي، وعامر عاصي وغيرهم كثير، ممن تضيق الذاكرة أحيانًا عن استحضار جميع أسمائهم، رغم رسوخ أثرهم الإبداعي؛ يبرز معتز سامي الحمداني بوصفه واحدًا من الأسماء المهمة في هذا المسار الشعري.

وُلد الشاعر في سوق الشيوخ بجنوب العراق أواخر سبعينيات القرن الماضي، وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها. ويُعدّ شاعرًا حداثيًا بارزًا في كتابة القصيدة الحديثة، فصيحها وشعبيها، لما قدّمه من نتاج شعري ثري ومتنوع أسهم في ترسيخ حضوره داخل المشهد الثقافي العراقي المعاصر.

ويأتي ديوان "سواليف الشمع للماي" امتدادًا لهذه التجربة، ومؤشرًا على نضج رؤيته الشعرية وقدرته على استنطاق المكان والإنسان بلغةٍ تجمع بين العمق والجمال، وتفتح أمام القارئ آفاقا واسعة للتأمل والتفاعل مع النص.

الشعرُ ضرب من الخيال، والخيال حالة مصورة داخل ذهن الشاعر، بوصفها مادة ثانوية للواقع؛ وهو ليس هروبا من الواقع، بل إعادة خلق الواقع له وفق رؤية خيالية جمالية ابداعية تتجاوز الظاهر السطحي وتتعداه، ثم تتغذى على الجوهري الكامن في الأعماق.

"سواليف الشمع للماي" ليس استبصارًا شعريًا يهتم بالتدفق الجمالي والإبداعي داخل النص فحسب، بل هو توهّج شعري يكشف عن تلك العلاقة غير المألوفة بين الاشياء، ثم يضيء بشعاعه جماليات المكان في عين قارئه، تلك الجماليات التي تسهم في أستنزاف طاقة الشاعر الوجدانية الكامنة في تشكيل الرؤية الشعرية داخل النص.

ينسجم الشاعر مع جماليات المكان انسجامًا عميقًا، فيمنح الروح رؤيةً تعكس في مرآة الوجدان ملامح المكان بوصفه كيانًا عاطفيًا يؤسس، بمكوناته المادية، الذاكرةَ الشعرية للشاعر، ويدفعه نحو ذلك الانفعال الوجداني الخلّاق الذي يتكفّل برسم ما هو خارج عن المألوف؛ ذلك الخارق الذي يجعل من المكان جزءًا من تكامل الشاعر الوجودي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل تجربته الإنسانية والشعرية.

تضفي شعرية المكان على الذاكرة مزيدًا من التوهج؛ فعندما يتكلم المكان داخل الشاعر بلغة الشعر، تتكلم الذاكرة بلغة الإبداع. فتتحول مكونات المكان إلى أدوات شعرية فاعلة تمكّن الشاعر من رسم خرائط وجدانية تقود إلى فضاءات من الجمال والتجلي، وتمنح النص قدرته على استحضار العاطفة وإعادة تشكيلها شعريًا.

وكلما كان الشاعر أكثر اتصالًا بالمطلق في تجربته الشعرية، ازداد قدرةً على خلق شيء من اللاشيء؛ فيصنع من المكان ذاكرة، ويستخلص الروحي من المادي الجاف، ويحوّل اللامكان إلى فضاء ممكن داخل الذاكرة الشعرية، حيث تتداخل حدود الواقع بالخيال، وتتسع الرؤية لتحتضن أبعادًا أكثر عمقًا وإشراقًا.

في تماس الشاعر مع المكان؛ يغدو المكان نفسه متأثرًا بهذه العدوى الوجدانية، فينبثق المكان من نافذة الشعر بوصفه كيانًا روحيًا وجماليًا نابضًا بالحياة والتموج الموسيقي داخل النص، لا مجرد إطار للأحداث أو خلفية للمشهد الشعري.

"مطرت حيل

ودرابين الحويزه ويه المطر مدري شنو تغني!

مدري شجاي تظفر للكمر وي ريحة البيبان!"

الشاعر، بوصفه كائنًا عاطفيًا وروحيًا وجماليًا مختلفًا، يمنح الأشياء تعريفات جديدة، ويعيد اكتشافها عبر منظور شعري خاص، كما يطرح المخالفة بوصفها عنصرًا أساسيًا في بناء الصورة الشعرية وإثراء دلالاتها.

"اهيس حس حبيبي الجاي.. مهر أخضر بلون الماي"

وفي مواضع أخرى، يتجلى الشاعر بوصفه كائنًا واعيًا ومتفائلًا وحساسًا ومتمردًا في آنٍ واحد. فهو يشعر بالخوف ويتحسسه ويستوعب حضوره الإنساني، لكنه عندما يلتقط الخوف كأستبصار شعري يحوّله إلى أداة جمالية تسهم في تعميق أثر النص وتوسيع أفقه التعبيري.

"شوارع خاليه تعانگ اثر خطوات ذبلانه وگمر من خوفها تسوي!"

في "سواليف الشمع للماي" لا يكتب معتز سامي الحمداني المكان بوصفه جغرافيا تُرى، بل بوصفه ذاكرة تُعاش وروحًا تُستعاد. إنه ديوان يبرهن أن القصيدة الشعبية الحديثة ما تزال قادرة على تجديد أدواتها الجمالية وتوسيع أفقها التعبيري عندما تقع بين يدي شاعر يمتلك حساسيةً شعريةً ورؤيةً ثقافيةً عميقة. ومن هنا، يغدو هذا الديوان إضافةً حقيقيةً إلى منجز الشعر الشعبي العراقي الحديث، وتجربةً تستحق القراءة والتأمل لما تنطوي عليه من جمالٍ لغوي، وثراءٍ تخييلي، ووعيٍ فني يضيء المكان والإنسان معًا.