اخر الاخبار

ليست قيمة المجلات الثقافية الرصينة في عدد الصفحات التي تنشرها، ولا في تنوع الأسماء التي تستكتبها حسب، وإنما في قدرتها على المحافظة على مشروع فكري واضح، يتجدد مع كل عدد من دون أن يفقد هويته. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة العدد (460) من مجلة الثقافة الجديدة الصادر في تموز 2026، بوصفه امتداداً واعياً لمسار ثقافي بدأ منذ تأسيس المجلة عام 1953، وظل محافظاً على هويته بوصفه منبراً للتنوير والعقلانية والنقد الاجتماعي والفكر التقدمي. وتكشف بنية العدد، منذ الغلاف وحتى أبوابه الأخيرة، عن رؤية تحريرية متماسكة تجمع بين الفكر السياسي والاجتماعي والنقد الثقافي والأدب والفنون والترجمة والحوار، بما يجعل المجلة فضاءً للحوار المعرفي أكثر من كونها مجرد وعاء للنشر. ولا تبدو هذه الرؤية التحريرية مجرد ترتيب شكلي للمواد، بل تتجسد في اختيار موضوعات تتناول أسئلة الدولة، والفساد، والتحول الحضاري، والاقتصاد، والهوية، والفن، والنقد، والترجمة، بما يؤكد أن الثقافة، في تصور المجلة، ليست نشاطاً جمالياً معزولاً، وإنما ممارسة اجتماعية وسياسية تسهم في تفسير الواقع والدفاع عن قيم الحرية والعدالة والتقدم. كما يعكس تنوع أبواب العدد، من المقالات إلى النصوص المترجمة، ومن الحوارات إلى الأدب والفنون، استمرار المجلة في الجمع بين المعرفة الإنسانية العالمية والانشغال بالقضايا العراقية والعربية.

مشروع ثقافي يواجه أسئلة الدولة والمجتمع

يفتتح العدد بمقال يركز على الفساد المالي والإداري والسياسي بوصفه أحد أخطر التحديات التي تواجه العراق، ولا تكتفي بوصف الظاهرة، وإنما تربطها بالبنية السياسية القائمة، وتؤكد أن المعالجة لا يمكن أن تكون أمنية أو إعلامية فقط، بل تتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً يقوم على المساءلة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة. كما تربط الكلمة بين الفساد وبين تراجع الخدمات، وأزمات الكهرباء والسكن والبطالة والاحتجاجات الشعبية، لتقدم رؤية تعتبر أن الأزمة بنيوية وليست مجرد خلل إداري عابر. وتكتسب هذه الكلمة أهمية خاصة لأنها تحدد الإطار الفكري الذي تتحرك داخله بقية مواد العدد. فالمجلة لا تتعامل مع الثقافة بوصفها انعزالاً عن الواقع، بل باعتبارها أداة لفهم الأزمات الوطنية ومساءلة البنى السياسية والاجتماعية التي تنتجها. وفي هذا السياق تأتي الدراسات المنشورة في باب المقالات لتوسيع هذا الأفق. فدراسة محمد الربيعي حول "شفرة البقاء الحضاري" تقدم محاولة لقراءة الأزمة الحضارية العربية من خلال توظيف مفاهيم مستمدة من البيولوجيا التطورية ونظرية الميمات، في مقاربة تجمع بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية وتحاول تفسير العلاقة بين الثقافة والمؤسسات والدولة. سواء اتفق القارئ مع جميع استنتاجات الدراسة أم اختلف معها، فإن أهميتها تكمن في جرأتها النظرية وسعيها إلى تجاوز التفسيرات التقليدية للأزمة العربية نحو إطار مفاهيمي جديد.

أما دراسة ماجد الياسري عن "العبودية الطوعية"، فتعيد استحضار أحد أهم المفاهيم الفلسفية المرتبطة بالعلاقة بين السلطة والإنسان، في محاولة لفهم كيف تتحول الطاعة إلى بنية ثقافية تتجاوز الإكراه المباشر، وهو موضوع ينسجم مع الخط النقدي الذي دأبت المجلة على تبنيه. وفي السياق نفسه، يناقش معتز محي عبد الحميد المشهد الأمني في سوريا، بينما تتناول نجاة تميم قضية العبودية في العالم الإسلامي، في حين يقدم إسماعيل نوري الربيعي دراسة عن العلاقة بين حرية السوق وهيمنة الرأسمالية، بما يضيف بعداً اقتصادياً وسياسياً للنقاش الفكري الذي يميز هذا العدد. وتكشف هذه الموضوعات مجتمعة عن رغبة واضحة في معالجة قضايا الفكر والسياسة والاقتصاد ضمن رؤية نقدية لا تنفصل عن هموم المجتمع العربي المعاصر.

التنوع المعرفي بوصفه فلسفة تحريرية

من أبرز نقاط القوة في العدد أنه لا يحصر الثقافة في مجال معرفي واحد، بل يقدم تصوراً واسعاً للثقافة باعتبارها شبكة مترابطة من العلوم الإنسانية والآداب والفنون. فإلى جانب المقالات الفكرية، يضم العدد باباً للنصوص القديمة، بما يؤكد أهمية التواصل مع التراث بوصفه مادة للحوار وليس مجرد موضوع للحفظ. كما يضم باباً للنصوص المترجمة، ويخصص مساحة لترجمة دراسة عن شخصية إيلون ماسك وسياسات الأثرياء، الأمر الذي يربط القارئ العربي بالنقاشات العالمية المعاصرة حول التكنولوجيا ورأس المال والنفوذ الاقتصادي. أما باب الحوارات، فيتضمن حواراً مع الخبير النفطي أحمد موسى جياد، وهو اختيار يعكس إدراك المجلة لأهمية الاقتصاد النفطي في تشكيل الواقع العراقي، ويؤكد أن الثقافة لا تنفصل عن الاقتصاد ولا عن السياسات العامة. وفي باب الأدب والفنون، تتسع مساحة العدد بصورة لافتة، إذ تتناول المواد المنشورة الرواية، والشعر، والمسرح، والنقد التشكيلي، والسيرة، والترجمة الأدبية، والقراءة النقدية للكتب، بما يمنح القارئ رؤية متكاملة للمشهد الثقافي العراقي والعربي والعالمي. وهذا التنوع لا يبدو عشوائياً، بل يخدم فلسفة واضحة مؤداها أن الثقافة عملية مركبة لا يمكن اختزالها في السياسة أو الأدب أو الاقتصاد وحدها، وإنما تنشأ من التفاعل المستمر بين هذه الحقول جميعاً.

الأدب والفنون بوصفهما فضاءً للنقد والتجديد

يمثل باب "أدب وفن" أحد أكثر أبواب العدد ثراءً، لأنه لا يكتفي بنشر النصوص الإبداعية، وإنما يقدم قراءات نقدية في الرواية والشعر والمسرح والفنون التشكيلية. فالاهتمام بتحولات النقد التشكيلي، ودراسة تجربة الفنان قاسم محسن، وقراءة "رأس المال" مسرحياً، والنقاش حول روايات عالمية، يعكس رؤية تعتبر الفن وسيلة لفهم المجتمع، وليس مجرد إنتاج جمالي منفصل عن الواقع. كما أن قراءة أعمال شعرية وروائية عراقية وعربية وعالمية تؤكد استمرار المجلة في أداء دورها التقليدي بوصفها وسيطاً بين القارئ العراقي والحركة الثقافية الإنسانية. ومن الجوانب المهمة أيضاً أن المجلة تمنح مساحة للنقد الأدبي والفني إلى جانب الإبداع، وهو ما يسهم في بناء ثقافة الحوار، لأن الإبداع من دون نقد يتحول إلى تراكم نصوص، بينما يسهم النقد في تطوير الذائقة وإعادة إنتاج المعنى. كما أن حضور الترجمة الأدبية ضمن هذا الباب يمثل استمراراً لواحدة من أهم وظائف المجلات الثقافية العربية منذ منتصف القرن العشرين، وهي نقل الخبرات الإنسانية وإغناء الثقافة الوطنية بالتجارب العالمية.

استمرارية النهج التقدمي

إذا كان لكل مجلة ثقافية شخصية فكرية، فإن الشخصية الفكرية لـ"الثقافة الجديدة" تبدو واضحة في هذا العدد من خلال أربعة عناصر رئيسة. أولها الإيمان بالعقل النقدي، إذ تكاد جميع الدراسات المنشورة تنطلق من مساءلة الواقع، لا من تبريره، وهو ما يجعل النقد جزءاً من هوية المجلة. وثانيها الانحياز إلى قضايا الإنسان والعدالة الاجتماعية، ويتجلى ذلك في كلمة العدد، وفي المقالات التي تناقش الفساد، والدولة، والاقتصاد، والحريات، وفي الاهتمام بالقضايا الاجتماعية إلى جانب القضايا الفكرية. وثالثها الانفتاح على المعرفة العالمية، سواء عبر الترجمات أو عبر توظيف النظريات الحديثة في العلوم الاجتماعية والفلسفة والاقتصاد. أما العنصر الرابع فهو الإيمان بوحدة الثقافة، بحيث لا توجد حدود فاصلة بين الأدب والفكر والسياسة والاقتصاد والفنون، وإنما تتكامل هذه الحقول في تشكيل الوعي العام. ومن اللافت أيضاً أن المجلة لا تكتفي باستضافة أسماء معروفة، بل تجمع بين باحثين ومفكرين ونقاد ومترجمين ومبدعين من اتجاهات متعددة، الأمر الذي يمنحها حيوية فكرية ويحولها إلى منصة للحوار بدلاً من أن تكون صوتاً أحادياً. ولا يقل أهمية عن ذلك استمرار المجلة في المحافظة على معاييرها التحريرية، سواء في تنظيم أبوابها أو في اهتمامها بالتوثيق وسلامة اللغة وأصول النشر، وهو ما يعكس حرصها على ترسيخ المهنية الأكاديمية والثقافية في آن واحد.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن العدد (460) لا يمثل مجرد إصدار دوري جديد، بل يؤكد أن مجلة الثقافة الجديدة ما تزال تؤدي دورها التاريخي بوصفها مؤسسة ثقافية تسعى إلى إنتاج المعرفة النقدية، والدفاع عن قيم الدولة المدنية، وتعزيز الحوار بين الفكر والأدب والفنون. كما يبرهن هذا العدد على أن المجلة استطاعت، رغم التحولات الكبيرة التي شهدها العراق والمنطقة، أن تحافظ على هويتها التقدمية، وأن تجدد أدواتها الفكرية من دون أن تتخلى عن رسالتها الأساسية في الانتصار للعقل، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والانفتاح على التجارب الإنسانية. ولهذا فإن قيمة هذا العدد لا تكمن في جودة الدراسات المنشورة فحسب، وإنما في الصورة الكلية التي يقدمها عن مشروع ثقافي مستمر منذ أكثر من سبعة عقود، مشروع يؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية وحضارية، وأن بناء المستقبل يبدأ دائماً من بناء الوعي.