اخر الاخبار

في مبادرة خير إبداعية راقية من الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق صدرت المجموعة القصصية الثالثة "الصبح يتنفس من جديد" للقاص عبد الله حرز البيضاني للعام 2026.

أولاً: مشتركات هذه القصص تضمنت موضوعات اجتماعية وسياسية عامة تتحلى جميعاً بمشتركات أساسية؛ منها:

1ـ اللغة سلسة معبّرة بشكل واقعي، ليس بشكل مطلق، إنما هذا هو السائد فيها ـ غالباً ـ . أي ان لغة الخطاب السردي يعبر عن غايات الكاتب بصورة دقيقة بلا افاضة غير مفيدة.              

2ـ تتوجه ـ عموماً ـ نحو موضوعات شعبية، وتُوَجّه رسائلها الى عشاق السرد من ذوي الأعمار الشابة، وبحسب رأيي، هم طلاب المدارس والشغيلة، ولها الأثر ذاته على المتخصصين بالنقد والقراءة.  

3ـ موضوعات القص حميمية جداً، نكاد نلمس حركتها في أي مكان وزمان لأية مدينة عراقية.                          

4ـ لم تتطرق القصص الى اي موضوع يخص الريف او البداوة.

5ـ جميع نهايات القصص تثير شكّاً فلسفياً خبيئاً، يبطن العبارات، ويوحي بنهايات مفتوحة.             

ومن جهة الاشتغال التقني نجد القصص تميل ان:

ـ لا تستثمر طاقات الإزاحات اللغوية او المشهدية، إلّا قليلاً، كونها موجهة الى قرّاء يحتفون بمتعة الاطلاع لا غير.     

ـ تتقدم...في كل قصة (كلمةٌ) تؤكد ضرورتها، إذ يعطى لكلمة البدء لون أسود غامق وحرف بدرجة مضخمة للتنبيه بأهمية كلمة الافتتاح تلك.    

ـ الجملة الفعلية هي الأكثر حضوراً في بث لقطات السرد على مستوى الوصف والحدس، مما يعني ان روحية السارد شاعرية الى حد (ما).     

ـ معظم القصص لا يوجد فيها أكثر من شخصيتين، مما يعنى ان القصص تركز على حركة وحيوية الأفراد، من دون إهمال دور الموسسة الاجتماعية الموجهة للرؤية الفكرية والفنية، لكل من؛ الكاتب ورؤيته.  

ـ انتظمت القصص بطريقة "الروي الخطي"، لدرجة ان أكثر العناوين تهب المعنى وحيثياته دون ان تكلّف القارئ جهداً في التحليل والتفسير.

ثانياً: تصنيف يمكنني تصنيف قصص المجموعة ـ بحسب موضوعاتها ـ على النحو الآتي:

* ان المتتبع للتصنيف سيجد انها جميعاً تدور حول ثلاثة حقول رئيسة من المعرفة، هي؛ (الحقل السياسي، الحقل الأجتماعي ، الحقل النفساني)؛ عدا قصة رحلة نحو التتويج، وهذا يعني:

1ـ ان هذه الحقول مرتبطة بمئات القضايا الإنسانية، لذا فهي محط اهتمام القاص وموضع عمله الفني.   

2ـ انها الحقول التي تمثل جُلّ مشاكل وإشكالات المواطن العراقي.

3ـ لو طبقنا شروط التَفَكِّر النفسي، لعرفنا ان طبيعة الكاتب الفنية تأثرت كثيراً بخزينة الأخلاقي، ثم ان هذا الخزين ـ ربما ـ صيّر له طوية طيبة حسنة، تجعله يميل الى انصاف للناس المظلومين (سياسياً او اجتماعياً او الذين وقع عليهم حيف نفسي). 

4ـ انها تمثل رغبات وأُمنيات جميع الناس الأسوياء وانشغل بهموم الناس، بطريقة أكسبته وله الشاعر بحب الحياة، ووله الحياة بحب الناس.

5ـ قد نُشكل على الكاتب بالملاحظة الأخيرة، عندما نقول "بأنه لم يهتم بعمق العلاقة بين المتون  والعناوين كثيراً".                     

ثالثاً: توافقات تتوافق خطوات السرد في هذه القصص كون تصاعدها الحدثي يأخذ بطريقة التصاعد الخطي، التي تعطي للراوي دور البطولة وللأحداث طبيعة المفارقة تشير الى:  

1ـ ان الكاتب منشغل بعمل قصص قصيرة، تطول كثيراً في العديد من القصص، لذا فلن يكون الغموض او الحذلقة بالعناوين ملائماً لتصوير شاعري مكثف، يزج بالأحداث سريعاً.

2ـ ان طبيعة البطء في السرد باعتماد الوصف الموسع يقتضي لغة واضحة مباشرة، فلا يكون العنوان الملغز او الشعري مناسباً لمجريات الأحداث الواقعية.

3ـ ان موضوعات القصص لها تماس بالحياة الشعبية للأفراد والمجموعات، فلن تتماهى معها غير مثل هذه العنونات.                                                                                                 

لنتساءل: هل المبررات الثلاثة السابقة قادرة ان تنقذ القصص من عنواناتها المباشرة .   

1ـ قصة الصبح يتنفس من جديد: قصة سياسية شعرية، يمكن التوسع في فهمها والتقدم نحو المخبوء الظللي للحدث فيها، عبر عنوان جديد، يوحي باشراق وجدي جمالي، أو ان يومئ العنوان الى قدر عظيم مجدي حتمي المجيئ. 

2ـ جنون فوق العادة: هذه القصة السياسية النفسية تتضمن حكايات وطبقات وعي مختلفة، تخلط  أحداث الاضطهاد والفوارق الثقافية، وحتى تاريخ الأفراد، كان يمكن للكاتب ان يختار جملة من من متن القصة تعبّر عن عمق المضمون بدقة أكثر من عنوانها الحالي.

3ـ أحلام على قارعة الطريق: هذه القصة سياسية تراثية، تضمنت مفارقات طريفة، تساعد على توسيع طاقة الحلم، ليصل مرحلة المجد في العمل وبناء حياة راقية، لذا كان من الأنسب ان يصير الحلم طريقاً حقيقياً للجمال والبهاء، لا ان يظل أمنية لا غطاء فاعل يحققها. أقصد ان يوحي العنوان بتلك المعاني، الداعية الى الفعل المجتهد والقرار الشجاع في تغيير الواقع الفردي والعائلي للبطل.                                                      

4ـ قطار الساعة السابعة: قصة اجتماعية نفسية وهي الوحيدة التي حملت مفاجأة تعبر المعالجات الاجتماعية السلبية، فقد دعت الى تغيير وجهة النظر السائدة للعمر الشبابي، انها تحمل ايحاءات حركية لـ (الأكش) المستظرف. اقصد ان سردية القصة خففت من طرافة العنوان. كان يمكن للقاص "عبد الله حرز البيضاني" زيادة الطرافة حد مجاراة القصص العالمية.

اما الوقت (الساعة السابعة)، فهو الآخر يحمل طاقات تعبير لها دلالات نفسية وحضارية غاية في العمق؛ تمكن الكاتب من استثماره لتكوين بؤرة تأثير عميقة تشيع المتعة والسعادة.  

5ـ خفايا الذاكرة المستثارة: هذه القصة قصة سياسية، وقد حوت الكثير من فضاءات الغرابة والغموض، إذ جعل المدرس يأخذ دور الجلّاد ويجلد وجود زملائه، لأجل ان يبين الفاصل الكبير بين الحياة السوية والحياة المضطربة في السجن.

رابعاً: نموذجان     

في قصص المجموعة إشكالية فنية طريفة، تُحسب للكاتب بأنها جمال ابداعي رصين؛ انها اشكالية النهاية، خاصة في النموذجين الآتيين:

أ ـ قصة "جنون فوق العادة" تقول النهاية الخاصة بمصير الدكتور(كمال)، الذي كان محجوزا في (الأمن!)، المجنون، الذي تعرض لاعتداء داخل المشفى النفسي: "تطلع الى ما وراء زجاج النافذة...عليه الخروج من باب الردهة، والاختباء خلف الأشجار...ثم ينطلق بعدها الى البناية الثانية...ثم يتسلق السياج ويهرب...                                                                                                               لأول مرّة يشعر انه خفيف مثل ريشة نزعت تواً من جناح حمامة طائرة...سأفرُّ مبحراً الى جهة قصية...خصبة...مليئة بالطهر والنظافة...ذات سماء صافية...تغمر روح الإنسان بالأمل والأمان، وتبعث الحياة من جديد بفيضها الواسع".  

* ان الاصغاء الى أصوات الإشارات النصية للمشد (المقطع) السابق يضعنا أمام تكهنات عديدة.

1ـ ان المقطع يوحي بأن المجنون خطط للهرب وحقق ذلك، عبر وصوله الى الجهة الرحيمة.             

2ـ انه تحرر مثل ريشة نزعتْ نفسها من جنح حمامة تواً، كـأنما يرى الحرية طازجة بلا قيود، فهي طيران آني في الهواء الطلق.   

3ـ كما يوحي النص أعلاه بأن السجين سيعيش حياته بروح طيبة مطمئنة تشبه أمنية العيش الرغيد. * في التأويل النقيض يمكننا القول:  

1ـ ان الدكتور كمال لم يستطع الرد على المجنون الذي اعتدى عليه، فهل يُعقل انه سيهرب بتلك التصورات المتخيلة.

2ـ الفرار والابحار حدث بعد سقوطه، مثل ريشة فصار خفيفاً...أليست هذه الحالة تعني انه صار اخف من أي احمال فكرية ومن مسؤولية التعقل المطلوب؟!     

3ـ وفي التأويل الأخير ثمة نتيجة؛ هي: ان تلك الصور المتخيلة للهرب تعني انه هرب الى الموت. مثل الريشة التي ماتت فجأة بلحظة قدرية، عندما انفصلت من الجناح، الذي كان عائلتها ومجتمعها وحياتها.

ب ـ قصة "خفايا الذاكرة المستثارة": مدرس اللغة الانكليزية جاسم عبد المحسن، تم استدعاءه الى حضيرة أمن منطقته، دون ان يعرف سبب الاستدعاء وبقي مع الموقوفين لمدة اسبوع حتى حضر الضابط؛ مدير الأمن وسأل الموقوفين عن حالاتهم، فقال له أنا لا أعرف لماذا جيء بي الى هنا، ولا أعرف ما تهمتي. تبين ان الضابط المدير يريده أن يدرِّس ابنه الفاشل بمادة اللغة الانكليزية لمرحلة الرابع الاعدادي. فيقرر إخلاء سبيله. لنتابع الكيفية التي تمت بها معالجة الأمر نصيّاً في القصة:

"الآن عليه ان يستعيد لحظاته، والأمل المفقود الذي استعاده بعد سماع كلام المدير...

ضغط المدير على زر الجرس...

وفي لحظة دخل أحدهم...

قال له:  

ـ إفتحْ محضراً للمتهم...

اكتب فيه ما يلي:                                                                                 

ـ من خلال التحقيق والتحري...تبين لنا ان المتهم ليس له علاقة بأي حزب، أو قضية أخرى تتعلق بأمن الدولة، وعليه يطلق سراحه لعدم ثبوت الأدلة القانونية بحقه".

* مرة أُخرى يضعنا البيضاني أمام اشكالية السلوك القسري للقوى، التي يفترض ان تحمي الناس؛ أنفسهم وأموالهم ومكان عملهم؛ تصير هي القوى الضاغطة الظالمة اللامبالية بأية مسؤولية انسانية او وظيفية.

وعلى وفق مبدأ الاشكالية الطريفة في سرد النهايات. 

1ـ ان الوظيفة الأمنية مكّنت الضابط من استغلال المدرس لصالحه الشخصي، كما ان هلع المدرس والاضطهاد الذي ناله وقد خلط الضابط بين تهمة تُوصل الى الإعدام مع حاجة ابنه للتدريس الخصوصي، مما يحيل الفهم الى السقوط الأخلاقي لرجال أمن السلطات الدكتاتورية.

وفي تعاملنا مع الموضوع من زاوية وسائلية؛ أو / ذرائعية = تبريرية = نفعية/ أُخرى، يتبين:     

1ـ ان ضابط الأمن مثل جميع الناس يريد لابنه مدرساً ذكياً ييسر عليه مادة اللغة الانكليزية، وطريقة الاستدعاء هي الطريقة التي عودته وظيفته عليها. 

2ـ ليس في المشد (المقطع) السابق ما يدل صراحة على ان التدريس سيكون مجاناً، لكن خوف المدرس قد يجعله يرفض رفضاً قاطعاً ان يستحصل أُجور تدريسه للطالب المعني بفعلة أبيه.               

3ـ ان الخلط والخطأ في أي عمل وارد، والأهم هو تصحيح الخطأ، مثلما فعل الضابط. وفي طريقة التصحيح اتبع الضابط سياقات عمله الوظيفي.

القاص عبد الله حرز البيضاني ـ في القصص جميعها ـ يعتني بأنشطة عموم الناس، مثل من يُبَلِّغ ثقافة رسائلية، وبهذا التوجه يعطي مثالاً مزدوج الأغراض؛ فهو خطاب لمتعة القارئ والكاتب، وهو بؤرة تعيد النظر في السياقات الثقافية على مستوى علاقة السلطة بالناس، وعلاقة الناس ببعضها.