على الرغم من التنويعات السردية في رصد الوجع التي جسدتها مجموعة قصص (بيت الهموم) للقاص حسب الله يحيى غير أنَّ البؤرة المركزية في معظم القصص تتمركز حول الذات وصراعها وأزمتها وإشكاليتها مع الآخر حيناً، ومع المكان حيناً آخر.
وتتأطر هموم وأوجاع وتأزمات القصص بتعدّديّة عبر أبعاد رصدها للكثير من الظواهر، فهناك البعد السياسي والاجتماعي، والبُعد السايكولوجي والبُعد الوجودي، ويمكن الاستدلال على مركزية البيت بوصفه الدال الذي يجسد مدلولاته من خلال هذا البوح في الوجع والهموم المرتبطة بالإنسان المحاصر بالقمع والاغتراب ومأزومية الذات، لكنّ القاص لم يوظّف مفهوم ودلالة البيت على وفق المنظور الظاهراتي القائم على نوستالوجيا البيت والحنين إلى المكان الطفولي واليوتوبي الأول، بل يقدّم مفهوماً وكيفية معكوسة، ويتبدّى البيت بوصفه المساحة التي تشهد أزمة الحلم، وهيمنة الأوجاع، وأحياناً الكوابيس بفعل القهر الاجتماعي والسياسي والطبقي وأزمة الذات مع الآخر المختلف في التوجّه والهوّية والنزعة.
وعلى وفق هذه المعطيات يمكن تحليل الفضاء الدلالي لسيميائية العنوان الذي يربط بين المكان وبين الهموم متعدّدة الأبعاد، إذ يتأطر هذا التوظيف بنوع من الترميز لمعنى المكان بوصفه الوطن والذاكرة والحلم، وطبقاً لهذا الاشتغال فإنَّ القصص تمزج الواقع بالرمز، ويمكن القول إنّها قصص تجسّد تجلّيات الواقعيّة الرمزية، والواقعية السايكولوجية، فالكثير من القصص نلحظ فيها استبطاناً للشخصيّات، وكشف عن دواخلها ونزوعها وأحلامها وكوابيسها، لكنّها في الغالب تئن تحت سطوة الهموم والتأزم وتناقضات المحيط.
وتتسم القصص بالاختزال والتمحور حول ثيمة محدّدة من دون فائضيّة سرديّة أو وصفيّة، لأنّها مشحونة بالهم الإنساني وتداعياته المتعدّدة، وقد وظّف القاص من حيث البنية أو المنظور السردي نوعين من السرد هما السرد الموضوعي براوٍ عليم، والسرد الذاتي المرتكز على ضمير المتكلّم، وانقسمت القصص من حيث الدلالة والمعنى للنهايات فكانت نهايات مفتوحة، وأخرى مغلقة بحسب السياق والمضمون المبتغى، ويمكن تناول بعض القصص التي تمثّل إنموذجاً لهذه اللاشتغالات السرديّة والفكريّة وجماليات التناول والصياغة مع توافر اللّغة السرديّة التي تكشف عن براعة ودقّة وعمق في التجسيد والدلالة .
ويتحوّل البيت إلى مكان معادٍ بحسب تصنيف (جينيت) و(لوتمان) في ثنائية الأقطاب، وقد ألمح الكاتب في العتبة الموازية والاستهلالية حين استعار مقولة (موريس بلانشو) من كتابه (الفاجعة)، إذ يتحول المكان برمّته إلى نوع من السجن وهذه العتبة تحيل إلى رمزية المكان المعادي وتجسّد بأنّ الوطن في ظل القمع والقهر يتحوّل إلى سجن كبير، وبحسب وصف بلانشو:
" ما من داع للسجن ، فنحن نعلم أنّنا فيه فعلاً.." (المجموعة: 5).
في قصة (أُم) يتناول الكاتب موضوعة تمسّك الإنسان بالمكان حدّ الموت، ويتحوّل المكان/ البيت إلى ذاكرة وهويّة ورمز للوجود وأن مغادرته تعني الموت والقطيعة مع الحياة، وهذا ما أبدته شخصيّة الأم (أم زاهد) ويمكن ملاحظة الدلالة الرمزية للاسم، فهي زاهدة بكلّ شيء حتى بالموت نفسه، لكنّها لم تزهد في احتضان المكان واحتضان المكان لها، لتشكل معه كينونة متوحّدة ومتماهية على الرغم من أن الكثير هجر بيته، وارتحل، بسبب الموت والقتل والرصاص ، "كانت المرأة الوحيدة التي بقيت في الحي ، هاجر الجميع تركوا منازلهم وهربوا إلى المجهول، البعض قصد مكاناً قريباً من مدينته، والبعض الآخر استأجر غرفة في مدينة أخرى كذلك" (المجموعة: 38).
وتنتهي القصّة بنهاية دراميّة وكابوسيّة حين يتعرض الابن إلى الموت بسبب إصرار الأم على البقاء، وبطبيعة الاشتغال والمغزى والدلالة فإنّ القصّة في جوهرها تدين الحرب والقمع والعنف الذي يستهدف المكان، وهو استهداف للإنسان وللناس الأبرياء قطعاً، وتتميز القصّة بتوظيف الحوار بوصفه أحد أركان البنية السرديّة القصصيّة، ويدفع الأحداث نحو التأزم ويجسد أعماق الشخصيّات ، ونلحظ توظيفاً بارعاً للحوار الداخلي (المونولوج) لكلا الشخصيّتين الأم وابنها زاهد .
وتكشف قصّة (وقار) عن أزمة المظهر والجوهر في الإنسان، وطبيعة الشخصيّات الباطنية وما تنطوي عليه من خبث ومراوغة ونفاق وتناقضات، وهي حواريّة بين الأب الذي يكره صاحب الفرن وبين الابن المندهش والمستغرب من هذه الكراهيّة مع أنَّ صاحب الفرن رجل وقور لكنّ الأب يكرهه "أبي لم يحفل بهذا التعامل إنما كان يذهب باتجاه المقاطعة" (المجموعة: 61) ، بل كان يتعمّق في المقاطعة والكراهية "لم يقدّم لي سبباً لكراهيته تلك، سوى عبارته التي يكررها ستكشف لك الأيام حقيقة هذا الدجال" (المجموعة: 61).
وتنتهي القصة بهذا الكشف والتعرية التي تكشف عن تورّط صاحب الفرن الوقور بجريمة أخلاقية مع طفل، ويوظف الكاتب الموروث الشعبي عن حكاية المرأة التي تستحي من العصافير حين تقف على أغصان الشجرة فينصاع الزوج لقطع الشجرة وبعدها يكتشف أنّ لها عشيقاً كانت الشجرة تعيق تسلّقه البيت!.
وتتجلى معالم التوظيف الدلالي والرمزي في قصة (النخلة والعاصفة) التي تجسّد أزمة البطل في تعلّقه بالمكان وهو يرث هذه التعلّق والتدلّة بالبيت والنخلة التي كانت تقدّسها الأم وكذلك الأب، ويرث حب وعشق القرآن الذي كانت الأم تمسك به وتقدسه، وعشق الأب لرواية (الأم) لمكسيم غوركي: "في وقت مبكّر من طفولتي لم أكن أعرف إلا ثلاثة أشياء ثابتة أمام بصري: الأول: القرآن الكريم في حضن أمّي، والثاني: رواية (الأم) لمكسيم غوركي أمام نظارة أبي، الثالثة: النخلة الباسقة الوحيدة في باحة صغيرة من بيتنا..." (المجموعة:66)، والقصة ترمز إلى توافق وتناغم المقدّس مع الفكر الإنساني الذي تمثّله رواية (الأم) طالما أن الخير والنيّات التوجهات متطابقة وجمالية السرد، إذ تكمن في أنّه سرد ذاتي وبوح جميل.
ويتجلى البُعد الكابوسي في قصّة (الخبز والأسلحة) عبر المشهديّة السوداوية والرعب الذي تتعرّض له الأسرة بكاملها من قبل المسلحين والقتلة، في حين أنّ الأب والأم خرجا لجلب الرغيف لسد رمق الجوع لكنّ المسلحين يستهدفون البيت بوصفه الملاذ الوحيد، واندفعوا لاحتلاله: "اندفعوا يفتشون الغرف وباحة الدار، عبثوا بكلّ شيء وبعثروا كلّ ما كان يواجه أنظارهم، ولم يكن أمامي إلاّ أن اخبئ أخواتي الثلاث، خشية أن يأخذوهن أو يقتلوهن" (المجموعة: 74). وبقيت الشخصية المحورية وأخوانه ينتظرون الموت بنهاية مفتوحة، والقصة تحمل ترميزاً للقمع والاحتلال واستداف الآمنين بل حتّى الإنسان الجائع والمستلب، وتتكرر مضامين القمع واستهداف الإنسان والمكان في هذه المجموعة بالهم والوجع.