لم يعد السؤال المطروح أمام اليسار العراقي هو كيف يثبت نقاءه الأخلاقي أو تاريخه الوطني. فقد ثبت ذلك في الذاكرة العامة إلى حد بعيد. السؤال الأهم اليوم هو كيف يحول هذا الرصيد الأخلاقي إلى قدرة سياسية قابلة للانتخاب والحكم. فالناس لا تمنح السلطة لمن تحترمه فقط، بل لمن تراه قادراً على إدارة الدولة، وحماية المصالح، وتقديم الخدمات، وبناء الثقة. أزمة اليسار العراقي ليست أزمة مبادئ فقط، بل أزمة ترجمة. لديه خطاب عن العدالة، لكنه يحتاج إلى برنامج في الأجور والسكن والصحة والتعليم. لديه نقد للفساد، لكنه يحتاج إلى خطة تنفيذية لملاحقة المال العام. لديه تاريخ من التضحية، لكنه يحتاج إلى شبكة اجتماعية يومية تصل إلى السوق والجامعة والمعمل والحي الشعبي. ولهذا فإن الطريق إلى السلطة لا يمر عبر رفع الشعارات الكبرى، بل عبر تحويل النظرية إلى سياسة عامة، والسياسة العامة إلى مصالح ملموسة.

من العقيدة إلى البرنامج

لا يستطيع اليسار أن يدخل السلطة بعقلية الحركة الاحتجاجية وحدها. الاحتجاج يكشف الخلل، لكنه لا يدير الدولة. والشعار يحشد الغاضبين، لكنه لا يقنع المترددين. لذلك يحتاج اليسار إلى الانتقال من لغة العقيدة إلى لغة البرنامج. هذا لا يعني التخلي عن المبادئ. بل يعني إعادة صياغتها في صورة قابلة للتطبيق. فالعدالة الاجتماعية يجب أن تتحول إلى سياسة ضريبية عادلة، ونظام ضمان اجتماعي، وفرص عمل منتجة. والدفاع عن الطبقات الفقيرة يجب أن يتحول إلى حماية للأجور، ودعم للسلع الأساسية، وخدمات صحية وتعليمية عامة. والوطنية يجب أن تتحول إلى بناء مؤسسات لا تخضع للغنيمة الحزبية. القوة السياسية الحديثة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تستطيع تنفيذه. وعلى اليسار أن يقدم للناخب جواباً واضحاً عن ثلاثة أسئلة: ماذا سيفعل خلال المئة يوم الأولى؟ ماذا سيفعل خلال السنة الأولى؟ وما الذي يستطيع تغييره خلال دورة انتخابية واحدة؟ من دون هذه الإجابات يبقى اليسار قوة نقدية محترمة، لكنه لا يصبح بديلاً للحكم.

قراءة الواقع قبل تغييره

أهم درس سياسي يمكن أن يستفيده اليسار هو أن الفكر لا يولد في الفراغ. كل نظرية حية تنشأ من قراءة الواقع، لا من ترديد نصوص جاهزة. ولذلك فإن اليسار العراقي مطالب بأن يبدأ من العراق كما هو، لا من العراق كما يتمناه. العراق دولة ريعية، اقتصادها يعتمد على النفط، ومجتمعها موزع بين المدينة والريف، والطبقة والطائفة، والعشيرة والدولة، والوظيفة العامة والسوق الهش. لذلك لا يكفي أن يتحدث اليسار عن الصراع الطبقي بصيغته الكلاسيكية. عليه أن يقرأ الطبقة داخل شبكة أوسع من الانتماءات والمصالح. العامل والموظف والكاسب والعاطل عن العمل لا يتحركون فقط بوصفهم فقراء أو منتجين. إنهم يتحركون أيضاً بوصفهم أبناء جماعات محلية، وأصحاب مخاوف أمنية، وباحثين عن واسطة وخدمة وحماية. ومن لا يفهم هذه البنية لن يستطيع تغييرها. البراغماتية هنا لا تعني الانتهازية. إنها تعني فهم شروط الفعل. فاليسار الذي يريد الوصول إلى السلطة يجب أن يعرف أين يعيش الناس، كيف يكسبون رزقهم، من يحميهم، من يبتزهم، ما الذي يخيفهم، وما الذي يجعلهم يثقون بحزب دون آخر.

الاقتصاد أولاً، لا الأيديولوجيا أولاً

إذا أراد اليسار العراقي أن يتحول إلى قوة انتخابية واسعة، فعليه أن يجعل الاقتصاد اليومي محور خطابه. فالناس تريد عملاً، وسكناً، وكهرباء، ومدارس، ومستشفيات، ونظاماً يحميها من الفقر والمرض والبطالة. البرنامج الاقتصادي المقترح يجب أن يقوم على خمسة محاور واضحة. أولاً، إصلاح الدولة الريعية عبر تحويل جزء من عائدات النفط إلى صندوق إنتاج وطني يمول الصناعة والزراعة والمشاريع الصغيرة. ثانياً، دعم القطاع الخاص المنتج لا الطفيلي، أي دعم المعامل والمزارع والتقنيات والخدمات الحقيقية، لا المضاربات والعقود الوهمية. ثالثاً، حماية العمال بعقود قانونية وتأمين صحي وضمان تقاعدي. رابعاً، فرض رقابة صارمة على المنافذ والضرائب والجمارك لمنع تسرب المال العام. خامساً، بناء سياسة إسكان شعبية تستهدف الشباب والموظفين وذوي الدخل المحدود. بهذا المعنى، لا يحتاج اليسار إلى أن يقول للناس إنه يساري كل يوم. يكفي أن يقدم لهم برنامجاً اقتصادياً يجعلهم يشعرون أن العدالة ليست قصيدة سياسية، بل راتب كريم، وبيت ممكن، وعلاج متاح، ومدرسة محترمة.

بناء الثقة من الأسفل

لا يصل الحزب إلى السلطة من التلفزيون وحده. السلطة تبدأ من الحي والشارع والنقابة والجامعة والسوق. لذلك يحتاج اليسار إلى إعادة بناء حضوره الاجتماعي، لا بوصفه نخبة ثقافية، بل بوصفه تنظيماً خدمياً ومعرفياً وسياسياً قريباً من الناس. يمكن لليسار أن يؤسس مكاتب مساعدة قانونية للعمال والموظفين. ويمكنه أن ينشئ فرقاً تطوعية لمراقبة الخدمات البلدية. ويمكنه أن يدعم حملات محلية ضد الفساد الصغير الذي يواجه المواطن يومياً. ويمكنه أن ينظم ندوات اقتصادية مبسطة حول الأجور والضرائب والسكن والتقاعد. هذه الأعمال قد تبدو صغيرة، لكنها تبني الثقة. فالناخب لا يثق بمن يظهر له في موسم الانتخابات فقط. يثق بمن يراه حاضراً في مشكلاته اليومية. كما يحتاج اليسار إلى خطاب جديد مع الشباب. لا يكفي استدعاء أمجاد الماضي. الجيل الجديد يريد لغة مباشرة، وحلولاً عملية، وموقفاً واضحاً من البطالة والهجرة والتعليم الرقمي والحرية الشخصية والفساد. ومن لا يخاطب هذا الجيل بلغته سيتركه إما للعزوف أو للغضب أو للشعبوية.

تحالفات ذكية لا ذوبان سياسي

لا يستطيع اليسار الوصول إلى السلطة منفرداً في بيئة سياسية معقدة مثل العراق. لكنه يستطيع أن يدخل في تحالفات ذكية، بشرط ألا يتحول إلى تابع أو زينة أخلاقية في مشروع غيره. التحالف المطلوب ليس تحالف مقاعد فقط، بل تحالف برنامج. يجب أن يقوم على نقاط محددة: مكافحة الفساد، إصلاح الخدمات، حماية الحريات، بناء دولة المواطنة، تقوية القضاء، إصلاح الاقتصاد الريعي، وحصر السلاح بيد الدولة. وعلى اليسار أن يميز بين التسوية والتنازل. التسوية تعني الاتفاق على برنامج مرحلي ممكن. أما التنازل فيعني التخلي عن الهوية السياسية مقابل مقعد أو منصب. الأول ضرورة سياسية، والثاني انتحار بطيء. كما يجب أن يتجنب اليسار العزلة الأخلاقية. فالقوة التي تكتفي بانتقاد الجميع تبقى نقية لكنها عاجزة. أما القوة التي تعرف كيف تفاوض وتحاسب وتتحالف وتنسحب عند الضرورة، فهي قوة سياسية ناضجة.

من الحزب المثقف إلى الحزب القادر

واحدة من مشكلات اليسار العراقي أنه ارتبط طويلاً بصورة المثقف النزيه أكثر من صورة المدير القادر. وهذه صورة جميلة، لكنها غير كافية. فالناخب يحتاج إلى من يدير وزارة وبلدية وموازنة ومؤسسة، لا إلى من يكتب بياناً جيداً فقط. لذلك يحتاج اليسار إلى إعداد كادر حكم. عليه أن يمتلك خبراء في الاقتصاد والطاقة والزراعة والتعليم والصحة والإدارة المحلية. وعليه أن يقدم وجوهاً قادرة على الحديث بلغة الأرقام والخطط، لا بلغة الاعتراض العام. يجب أن يكون لدى اليسار ما يشبه حكومة ظل مصغرة. فريق للمالية، فريق للخدمات، فريق للتعليم، فريق للصحة، فريق للزراعة، فريق لمكافحة الفساد، فريق للإدارة المحلية. هذا لا يمنحه فقط صورة الجدية، بل يجبره أيضاً على مغادرة العموميات. فالسلطة لا تُمنح لمن يقول إن الوضع سيئ. الجميع يعرف أن الوضع سيئ. السلطة تُمنح لمن يقول كيف يمكن إصلاحه، وبأي أدوات، وبأي زمن، وبأي كلفة.

الخروج من أسر الشعار

إن الطريق الواقعي أمام اليسار العراقي لا يبدأ من التخلي عن هويته، بل من تحرير هذه الهوية من الجمود. فالماركسية في أصلها لم تكن تكراراً لنصوص سابقة، بل تركيباً نقدياً بين الفلسفة والتاريخ والاقتصاد. وإذا أراد اليسار العراقي أن يكون وفياً لروحه العميقة، فعليه أن يفعل الشيء نفسه في العراق اليوم. عليه أن يركب بين ثلاثة مصادر: العدالة الاجتماعية بوصفها قيمة، وفهم الدولة الريعية بوصفها واقعاً، وبناء المواطنة بوصفها مشروعاً سياسياً. من هذا التركيب يمكن أن يولد برنامج عراقي لليسار، لا نسخة مستوردة ولا خطاباً عاطفياً. اليسار لا يحتاج إلى مزيد من الحنين. يحتاج إلى عقل دولة. ولا يحتاج إلى إثبات نزاهته كل يوم. يحتاج إلى إثبات قدرته. ولا يحتاج إلى شعار يقول إنه مع الفقراء. يحتاج إلى خطة تجعل الفقراء أقل هشاشة وأقرب إلى الكرامة. المستقبل السياسي لليسار العراقي يتوقف على قدرته في الجمع بين الأخلاق والفاعلية. الأخلاق تمنحه الاحترام، لكن الفاعلية تمنحه الأصوات. ومن دون هذا الانتقال سيبقى اليسار ضميراً نبيلاً في هامش السلطة، لا قوة قادرة على تغييرها من الداخل. السبيل إذن واضح، لكنه صعب: برنامج اقتصادي ملموس، حضور اجتماعي يومي، تحالفات محسوبة، كادر حكم محترف، خطاب بسيط، ومراجعة شجاعة للذات. عندها فقط يستطيع اليسار أن ينتقل من موقع الشاهد على الأزمة إلى موقع الفاعل في حلها.