اخر الاخبار

نقيٌّ كصفحة السماء. لم أكن أبحث عنه لأرتوي، بل عن حقيقةٍ غائبة. عندما انحنيتُ على مرآته السائلة، استقبلتُ ملامحي بترحيبٍ صامت، وفي نفسي دَبَّ زهوٌ وغرورٌ لم أعهدهما من قبل. ظننتُ أنني أملك الكون بجمال صورتي المنعكسة على سطح الغدير الساكن، لكنني ذهلتُ وتساءلت: لماذا لم يحفظ الماء السرَّ طويلًا؟

في لحظةٍ خاطفة، سقطتْ قطرةٌ من غصنِ شجرةٍ متدلٍّ فوق رأسي. توسعتْ وتشوهتْ ملامحي وسط موجاتٍ دائريةٍ ضَيَّعَتْها، وتلاشت صورُ الغيومِ المنعكسةِ، لتبدأ ملامحي بالظهور من جديد، لكن الصدمة كانت أكبر من أن تُحتمل.

يا إلهي... عينٌ واحدة ووجهٌ مشوَّه! أين اختفت ملامح ذلك الوجه الجميل؟ تلمَّستُه. يا لخيبتي، لقد تاهت مني العين اليسرى، هربت من صفحة الماء وغادرت كبريائي وزهوي، وهي تمضي بعيدًا، تنقلني إلى أماكن لم أرها، أو ربما رأيتُها وتجاهلتُها.

بيوتٌ من الطين والصفيح، وأطفالٌ ينبشون في القمامة ويتذوقون فتات أطعمةٍ تالفة. عجوزٌ بدا فرحًا لعثوره على نصف تفاحةٍ داكنة اللون. دهاليز وغرف، بعض أبوابها مفتوحة. وثائق مشوهة، وشهود زورٍ يتزاحمون. مشاهد لا أريد رؤيتها. بتُّ أتوسل إليها أن تعود، ولكن دون جدوى.

رنَّ صوتها في أعماقي:

-  أتعتقد أنك في أمان؟

- أجل، ومن حقي أن أتمتعَ بثروتي، وباللحظات التي يَفتح لي فيها السائق منحنيًا باب "التاهو" السوداء وسط حمايةٍ مشددة. هكذا الحياة. لقد تعود بعضُ الناس على هذا الزيف. ومَن سيحترمني إن عشت بين البسطاء بلا حاشيةٍ تُعظِّم حضوري وتُصغِّر الآخرين في عيني؟ صمتٌ قصير ساد، ثم قالت:

- كنتُ عَينك التي ترى، لكنني لم أُخلَق لأحصي المظاهر، بل لأبحث عن الإنسان المختبئ خلفها. لقد مللتُ كبرياءك وغرورك ونظراتِ القسوةِ التي تزن بها الأشياء. اهدأ قليلًا كي ترى عالمًا لم تشعر به يومًا؛ عالمًا لا تُقاس فيه القيمة بما يملكه المرء، بل بما يمنحه. لن أعودَ الآن. دعني أعيش حياتي بعيدًا عن مراياك المصقولة وابتسامات المتزلفين الصفراء. سأقودك إلى عوالمي حتى آخر رمقٍ من حياتي.

وقفتُ أمام الماء شبه ممزق الفكر، حائرًا، لكن صور العالم الذي تجاهلته لم تغادرني. كانت تتردد في أعماقي كبركانٍ مكتوم، حتى أدركتُ أنني لم أكن سوى ظلٍّ منتفخٍ بالوهم. أما الزمن الذي ملأ جيبي بين ليلةٍ وضحاها وجعلني أنظر إلى الآخرين من وراء زجاج سيارتي المظلل، فقد بدأ يتآكل كما يتآكل ضوء المغيب فوق جدارٍ مهجور.

اختلط ليلي بنهاري، وبتُّ أشتاق إليها. لكنها لم تتوقف عن كشف ما كنت أهرب منه. أيادٍ مرفوعةٌ تُسقط مشاريع بيوتٍ للفقراء والمعوقين وأسر الذين أكلتهم الحروب. وأيادٍ أخرى ترتفع بسعادةٍ كلما مرَّ ما يزيد امتيازاتها، وتُطأطئ رؤوسها حين يُذكر الجائعون. ابتساماتٌ عريضة، وتصفيقٌ طويل، بينما يظل البؤس واقفًا خلف الأبواب ينتظر دوره الذي لا يأتي. صراعٌ لا يُطاق، ووحدةٌ قاتلة، ورهبةٌ من قادم الأيام تسلبني ما ظننته أمانًا. ناديتها: تعالي. بغيابك سقطت أنانيتي. تعالي لنذهب سويًا إلى تلك البيوت التي تئن من الفقر، حيث يعيش أطفالٌ بين بيع المناديل الورقية ومسح زجاج السيارات. تعالي، كرهتُ العينَ التي تتباهى بنفسها والعالم يموت بؤسًا.

وفي عمق ذلك الحزن النبيل، استمرت نداءاتي، ويا لفرحتي حين عادت إليَّ محمَّلةً بدموع الكادحين وأحلامهم.  وهناك، على صفحة الماء نفسها، جرى عناقٌ لم تشهده المرايا من قبل. لقد تصالحت العينان لتمنحاني حقيقةً كبرى: لا يكتمل الإنسان إلا حين يرى نفسه في عيون الآخرين، ويرى الآخرين في عمق وجوده. دفءٌ عجيب غمرني، وشعرت لأول مرة أن أبناء وطني يحتضنونني، لا لمنصبٍ أو مال، بل لأنني صرت واحدًا منهم، أرى ما يرون وأشعر بما يشعرون.

وفي تلك اللحظة،  تساقطت قطراتٌ أخرى على صفحة الغدير، وارتجف الماء كما ارتجف أول مرة، غير أن ملامحي لم تعد تتشوه؛ فقد تغيّر الوجه الذي في داخلي والى الابد.