اخر الاخبار

تزداد أعباء الحياة ثقلاً على كواهلنا يوماً بعد يوم. وقبل أكثر من عقد من الزمان، كنا نسعى عبر إصدار العديد من الكتب، الكراسات، المقالات، الندوات، السيمينارات والاحتجاجات إلى تسليط الضوء على الجوانب المخيفة لمشروع ووصفات "النيوليبرالية". لكن اليوم، وبينما يطحن هذا المشروع الناس يومياً ويتغلغل في كل زقاق ومنزل ، تنتقل مهمتنا إلى مرحلة جديدة تتلخص في سؤال: ما الذي يمكننا فعله لتقديم مشروع آخر؟ إن أبسط مثال نعيشه اليوم هو سعر البنزين كأزمة آنية لا تنفصل عن أزمات الأمس؛ من بطالة، وتدهور بيئة العمل، وغياب التأمينات الاجتماعية، وأزمات الرواتب، والصحة، والتعليم، والكهرباء وغيرها مما هو مستمر، كلها لم تكن مجرد مشاكل تقنية أو خارجة عن إرادتنا، بل كانت مشروعاً شاذا ومفروضاً.

في هذا المقال، يبدو مصطلحا "النيوليبرالية الكردية" و"اليسار الكردي" كعنوانين غريبين، والأسباب كثيرة وليس هنا مجال خوض تفاصيلها، بل ما يهمنا في هذا المقال هو هوية النيوليبرالية الكردية وموقف اليسار الكردي منها.

إن النيوليبرالية الكردية هي نموذج سياسي واقتصادي للسوق، وهي ليست مجرد اقتصاد بل مشروع سياسي لاستعباد الإنسان الكردي. هذا النظام لا يكتفي بإفراغ جيوب المواطنين عبر الضرائب وخصخصة الخدمات (كما فعلت نيوليبرالية تاتشر وريغان)، بل هو مزيج خطير بين رأسمالية الحزب والنهب الاقتصادي.

وتتميز عن النموذج العالمي بعدة خصائص يمكن اختصارها في النقاط التالية:

أولاً: في نموذج النيوليبرالية العالمي، تتخلى الدولة عن السوق لصالح القطاع الخاص، أما في كوردستان فالقطاع الخاص غير موجود، أو أن غالبيته "قطاع حزبي" باستثناء عدد قليل من الرأسماليين. الشركات الكبرى تعود للمسؤولين والعوائل الحاكمة، ولا وجود لمنافسة حرة، فكل من يحاول العمل خارج عباءة الحزب يتم خنقه. إنها "نيوليبرالية احتكارية". في السابق، إذا كان أحدهم غنياً كان بحاجة إلى تاريخ من المهنية والعمل والكدح، أما الآن فيظهر الرأسمالي الحزبي فجأة؛ رأسمالي بلا أي جذور تاريخية.

ثانياً: وجهت النيوليبرالية الكردية ضرباتها مباشرة إلى أكثر القطاعات حساسيتها (الصحة، التربية، الكهرباء، والماء). تعمل الحكومة وفق خطة مدروسة لتهميش القطاع العام (المستشفيات والمدارس الحكومية) وقطع ميزانيتها، لإجبار الناس على اللجوء للقطاع الخاص التابع للأحزاب. هنا يُسحق المواطن مرتين: مرة حين يدفع الضرائب، ومرة حين يدفع أموال الخدمات الأساسية بأسعار باهظة ومضخمة.

ثالثاً: في النيوليبرالية الكردية، لا يُنظر للراتب كحق قانوني أو استحقاق مالي أو أجر مقابل العمل، بل تحول إلى أداة سياسية للسيطرة. إن سياسات ادخار الرواتب، الاستقطاعات، والتأخير، وحتى غياب أي ضمانات وتأمينات اجتماعية، مع غياب بيئة عمل كريمة واستقرار وظيفي، كلها استراتيجيات نيوليبرالية تهدف لإبقاء الفرد دائماً في دوامة البحث عن لقمة العيش، بحيث لا يتبقى لديه وقت أو إرادة "للعمل السياسي والاحتجاج". إنه نوع من "العبودية الحديثة".

رابعاً: إحدى الخصائص الأخرى للنيوليبرالية الكردية هي أنها لا تولي أي أهمية للإنتاج المحلي (الزراعة والصناعة). فقد تحولت كوردستان إلى سوق استهلاكية ضخمة لسلع دول الجوار في إطار اقتصاد استهلاكي؛ وبدلاً من المصانع، تُشيد "المولات". هذا التوجه يجعل المجتمع دائماً خالي الوفاض وبانتظار الخارج. كما أن رأس المال المحلي بدلاً من وضعه في خدمة البنية التحتية، يُهَرّب للخارج أو يُنفق في مشاريع سكنية باهظة (أشياء ديكورية).

خامساً: أحد أركان النيوليبرالية هو تدمير أي قوة جماعية (كالنقابات، الحركات الاجتماعية، أو قوى المعارضة). في كوردستان، النقابات إما غائبة، أو ملحقة بالحزب. والعامل في القطاع الخاص يفتقر لأي حماية قانونية، وإن وجدت، ففي أرض الواقع لا تستطيع مؤسسات تنفيذ قانون العمل تطبيق القانون. أصحاب الشركات (وغالبيتهم مسؤولون) يستطيعون بطرد العمال والموظفين أو هضم حقوقهم وفق أهوائهم، دون أن تستطيع المحاكم فعلياً حماية حق العامل. يمكننا رؤية هذا كـ هوية وخصائص للنيوليبرالية الكردية. وفي الوقت نفسه، كلما وجهت انتقاداً لهذا النظام الاقتصادي غير العادل، أو أصبحت قوة مؤلفة، تواجهك السلطة باسم "حماية كيان الإقليم" أو "المكتسبات القومية" وتمنح نفسها الشرعية لاستخدام كل أنواع العنف.

تتحول قومية ساذجة وزائفة إلى درع لإخفاء فشل النيوليبرالية. يُوجّه الناس ويُفهمون بأن المطالبة بالحقوق الاقتصادية هي معاداة لـ"الكوردايتي"، في حين أن مشروع النيوليبرالية الكردية (أو بالأحرى نيوليبرالية التحالف الحاكم) هو أحد الأسباب الرئيسية في التراجع عن قضية استكمال مرحلة التحرر الوطني والروح الوطنية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الجزء الثاني، سنطرح بعض الأفكار للنقاش حول سؤال: "ماذا يمكن لليسار الكردي أن يفعل؟".