لم تعد الانتخابات السويدية مجرد منافسة على من يشكل الحكومة المقبلة. ففي بلد ارتبط طويلاً بدولة الرفاه والديمقراطية الاجتماعية، تجري انتخابات 13 أيلول 2026 بعد أربعة أعوام من حكم اليمين وصعود غير مسبوق لليمين القومي، وفي ظل تحولات طالت الهجرة والأمن ودور الدولة والخدمات العامة.
لذلك تبدو الانتخابات اختباراً لاتجاه السويد نفسها: هل يتواصل التحول نحو اليمين وتترسخ التغييرات التي شهدتها السنوات الأخيرة، أم تستعيد الديمقراطية الاجتماعية واليسار المبادرة، وتعيد دولة الرفاه والعدالة الاجتماعية إلى قلب المشروع السياسي؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع طبيعة النظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي وعتبة 4 في المائة لدخول البرلمان، وهي نسبة تبدو صغيرة، لكنها قد تكون هذه المرة حاسمة في تحديد الأغلبية وهوية الحكومة المقبلة.
وكانت انتخابات 2022 قد أنهت حكم الاشتراكيين الديمقراطيين، وجاءت بـأولف كريسترشون، زعيم حزب المحافظين " المعتدلين او يمين الوسط المحافظ" Moderaterna، إلى رئاسة الحكومة. لكن التحول الأهم لم يكن انتقال السلطة وحده، بل صعود ديمقراطيي السويد Sverigedemokraterna من قوة يمينية ظلت معزولة سياسياً لسنوات إلى قوة مؤثرة في الأغلبية وفي اتجاهات الحكومة، ولا سيما في ملف الهجرة.
يومها حصل الاشتراكيون الديمقراطيون على 30.3 في المائة، وديمقراطيو السويد على 20.5 في المائة، والمعتدلون على 19.1 في المائة، وحزب اليسار على 6.7 في المائة. وبعد أربعة أعوام تبدو الموازين مختلفة: تحسن موقع الاشتراكيين الديمقراطيين واليسار والخضر، فيما تراجع المعتدلون وديمقراطيو السويد قياساً بنتائج الانتخابات السابقة.
وهكذا تدخل السويد أيامها الأخيرة قبل الاقتراع أمام سباق مفتوح، ومعسكرين غير متجانسين، وعتبة انتخابية صغيرة قد يكون عبورها أو الإخفاق فيه كافياً لتغيير معادلة الحكم بأكملها.
معسكران غير متجانسين
تقود ماغدالينا أندرسون رئيسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي معسكر المعارضة، الذي يضم في فضائه حزب اليسار والخضر والوسط. وفي المقابل يقود كريسترشون معسكر اليمين، إلى جانب الديمقراطيين المسيحيين والليبراليين، وبالدور المؤثر لديمقراطيي السويد.
لكن المعسكرين ليسا كتلتين متجانستين، وخصوصاً المعارضة، فالفوارق بين حزب الوسط وحزب اليسار واضحة في قضايا الاقتصاد والضرائب ودور السوق ودولة الرفاه. لذلك قد يكون تحقيق الأغلبية أسهل من الاتفاق على الحكومة وبرنامجها بعد الانتخابات.
السباق يضيق
شهدت استطلاعات الرأي تحولاً سريعاً. ففي 18 آب كانت المعارضة تتقدم بنحو عشر نقاط مئوية، لكن الفارق تقلص مع اقتراب موعد الاقتراع. وأعطى استطلاع Novus في 2 أيلول المعارضة 50.3 في المائة مقابل 47.7 في المائة لمعسكر الحكومة، فيما أعطاها Demoskop في 3 أيلول 50.6 في المائة مقابل 47.3 في المائة.
وبذلك ما تزال المعارضة في المقدمة، لكن اليمين نجح في تحويل انتخابات بدت قبل أسابيع شبه محسومة إلى سباق مفتوح في أيامه الأخيرة.
عتبة الـ 4 في المئة
قد يكون الحزب الليبرالي Liberalerna، رغم صغر حجمه، أحد مفاتيح حسم الانتخابات. فهو ما يزال دون عتبة الـ 4 في المائة اللازمة لدخول البرلمان؛ إذ يتراوح حجمه في الاستطلاعات بين 2.8في المائة و3.3 في المائة. وإذا أخفق الليبراليون في تجاوز العتبة، فلن يحصلوا على تمثيل برلماني، الأمر الذي قد يحرم معسكر اليمين من مقاعد يحتاج إليها لتشكيل الأغلبية. وهكذا تدخل معركة صغيرة في قلب المعركة الكبيرة: هل ينجو الليبراليون ويتجاوزون عتبة الـ 4 في المائة؟
حزب اليسار: تقدم وفرصة للتأثير
حزب اليسار Vänsterpartiet أمام فرصة لتعزيز موقعه، فقد ارتفع من 6.7 في المائة في انتخابات 2022 إلى 8.6 في المائة في مسح هيئة الإحصاء السويدية في أيار 2026. ويمثل الحزب الجناح الأكثر وضوحاً في الدفاع عن دولة الرفاه، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وحقوق العمال، وتعزيز القطاع العام ومواجهة خصخصة الخدمات. لكن الاختبار يتجاوز زيادة الأصوات: هل يستطيع الحزب تحويل تقدمه إلى تأثير فعلي في برنامج الحكومة المقبلة، أم يبقى قوة برلمانية توفر الأصوات اللازمة لتغيير الحكومة؟
الاشتراكيون الديمقراطيون: عودة محتملة
تبقى ماغدالينا أندرسون المرشحة الأقوى لرئاسة الحكومة إذا حافظت المعارضة على تقدمها. وقد سجل الاشتراكيون الديمقراطيون 33.9 في المائة في مسح أيار، مقابل 30.3 في المائة في انتخابات 2022.
لكن عودتهم المحتملة لا تعني عودة السويد ببساطة إلى نموذجها السابق، فالحزب تغير، كما تغير المجتمع والبيئة السياسية. ودفعت قضايا الهجرة والجريمة والأمن بالديمقراطية الاجتماعية نفسها نحو مواقف أكثر تشدداً.
لذلك فأن السؤال الأساسي هو بأي ديمقراطية اجتماعية سيعود الاشتراكيون الديمقراطيون، وبأي برنامج اجتماعي وسياسي؟
ديمقراطيو السويد: تأثير أكبر من الأصوات
يبقى صعود ديمقراطيي السويد Sverigedemokraterna أحد أبرز تحولات السياسة السويدية خلال العقدين الأخيرين. فقد أصبح الحزب ثاني أكبر الأحزاب في انتخابات 2022 بحصوله على 20.5 في المائة، فيما أظهر مسح أيار 2026 تراجعه إلى 18.3 في المائة.
لكن تأثير الحزب يتجاوز نسبته الانتخابية. فقد نجح في نقل قضايا الهجرة والاندماج والجريمة والهوية وشروط الإقامة والجنسية من هامش النقاش إلى مركز السياسة السويدية، ودفع أحزاباً تقليدية إلى الاقتراب من بعض أطروحاته. وهنا تكمن دلالة صعوده: نجاح الحزب لا يقاس بعدد مقاعده وحدها، بل بقدرته على تغيير جدول أعمال السياسة السويدية، وحتى الخطاب السياسي التي تتحدث به الأحزاب الأخرى.
ماذا يشغل الناخب السويدي؟
لا يمكن اختزال الانتخابات في الهجرة، رغم حضورها القوي. فالحملة تدور أيضاً حول مستوى المعيشة والأسعار، ودولة الرفاه، والصحة والتعليم، والجريمة والأمن، والطاقة. وخلف هذه الملفات يبرز سؤال اجتماعي أعمق: من يتحمل كلفة التحولات الاقتصادية والاجتماعية؟
وهو سؤال يعيد النقاش إلى جوهر النموذج السويدي: الضرائب والأجور والخدمات العامة وحقوق العمال والسكن ودور السوق والخصخصة وتوزيع الثروة. لذلك فالصراع ليس ثقافياً حول الهجرة والهوية فحسب، بل هو أيضاً صراع على مستقبل دولة الرفاه، وعلى من يدفع كلفة المجتمع ومن يحصل على ثماره.
دولة الرفاه في قلب المعركة
مثلت السويد تاريخياً أحد أبرز نماذج الديمقراطية الاجتماعية، القائم على الجمع بين اقتصاد السوق وعقد اجتماعي قوي، تدعمه الضرائب والخدمات العامة والنقابات وإعادة توزيع الدخل. هذا النموذج لم يختف، لكنه تعرض لتحولات عميقة بفعل الخصخصة واتساع الفوارق وتغير سوق العمل والهجرة وصعود اليمين القومي. ومن هنا عادت دولة الرفاه إلى قلب انتخابات 2026، فالناخب لا يختار حكومة لأربع سنوات فقط، بل يساهم في تحديد شكل السويد التي يريدها في العقد المقبل.
مفارقة الهجرة
تكشف الهجرة حجم التحول في السياسة السويدية. فالبلد الذي عرف بسياسات لجوء أكثر انفتاحاً اتجه تدريجياً نحو التشدد، ولم يعد ذلك حكراً على اليمين.
وقد نجح ديمقراطيو السويد في ربط الهجرة بقضايا الاندماج والجريمة والعنف، فيما تبنت الأحزاب التقليدية جانباً من هذا الخطاب لاستعادة ناخبين انتقلوا إلى اليمين.
وهنا يواجه اليسار معضلة تتجاوز السويد إلى عموم أوروبا: كيف يحافظ على قيم المساواة والتضامن والحقوق الإنسانية، ويقدم في الوقت نفسه حلولاً واقعية لمشكلات الاندماج والجريمة والعزل الاجتماعي؟
ماذا بعد 13 أيلول؟
تحسم النتيجة ثلاثة عوامل: قدرة المعارضة على الحفاظ على تقدمها، ومصير الحزب الليبرالي عند عتبة 4 في المائة، ثم التوافقات التي ستبدأ بعد ظهور النتائج. فحتى إذا حققت المعارضة أغلبية، فإن تشكيل حكومة مستقرة سيحتاج إلى تفاهمات بين الاشتراكيين الديمقراطيين واليسار والخضر والوسط، وهي قوى يجمعها السعي إلى تغيير الحكومة الحالية، لكن بينها اختلافات واضحة في الاقتصاد ودولة الرفاه ودور السوق.
لذلك قد تنتهي الانتخابات ليلة 13 أيلول، لكن الصراع على شكل الحكومة وبرنامجها قد يبدأ في اليوم التالي.
قراءة أولية
تتجاوز الانتخابات السويدية مسألة تبدل الحكومات، فهي جزء من صراع أوروبي أوسع بين ديمقراطية اجتماعية تحاول تجديد دولة الرفاه، ويمين تقليدي يجمع اقتصاد السوق مع التشدد في الأمن والهجرة، ويمين قومي انتقل من هامش النظام إلى قلب التأثير في سياساته.
وفي هذا المشهد، يمثل تقدم حزب اليسار مؤشراً إلى وجود قاعدة اجتماعية ما تزال تبحث عن خطاب أكثر وضوحاً في العدالة الاجتماعية والمساواة والدفاع عن الخدمات العامة. لكن اختبار الحزب لن يكون في زيادة أصواته وحدها، بل في قدرته على تحويلها إلى تأثير سياسي، من دون أن يفقد هويته داخل معسكر تقوده الديمقراطية الاجتماعية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يستطيع اليسار والديمقراطيون الاجتماعيون استعادة الأغلبية؟ وإذا استعادوها، هل يستطيعون استعادة المبادرة السياسية والاجتماعية أيضاً؟
الإجابة الأولى تقدمها صناديق الاقتراع في 13 أيلول، أما الثانية، وهي الأهم، فلن تحسمها الصناديق وحدها.