تواجه الزراعة الصحراوية جملة من التحديات التي تجعل كلفة الإنتاج فيها أعلى من كلفة الزراعة التقليدية في الأراضي الطينية والمروية، إذ يتحمل المزارعون نفقات إضافية تبدأ من حفر الآبار وتشغيلها، مروراً بتشغيل منظومات الري بالمرشات وصيانتها، وصولاً إلى تكاليف الوقود والأسمدة والبذور والأيدي العاملة وأجور النقل، ولا سيما أن معظم المشاريع الزراعية الصحراوية تقع في مناطق بعيدة عن مراكز المدن والأسواق.
وتشكل هذه التكاليف المرتفعة عبئاً كبيراً على أصحاب المشاريع الزراعية والمزارعين، الذين يرون أن التسعيرة الحالية للمحاصيل لا تعكس الكلفة الفعلية للإنتاج، ولا توفر عائداً اقتصادياً يشجع على الاستمرار في التوسع بالزراعة الصحراوية، رغم ما يمكن أن تمثله هذه الزراعة من أهمية في زيادة الإنتاج الزراعي واستثمار مساحات واسعة من الأراضي.
ومن أجل إنجاح تجربة الزراعة الصحراوية وتوفير بيئة مناسبة لاستمرارها وتوسعها، فإن الأمر يتطلب وضع حزمة من الإجراءات الحكومية والفنية والاقتصادية التي تسهم في تخفيف الأعباء عن المزارعين، وتحسين كفاءة الإنتاج، وضمان تحقيق عائد اقتصادي مناسب.
أولاً: تشجيع الاستثمار من أجل إنشاء معامل متخصصة بإنتاج منظومات الري بالمرشات والتقنيات الزراعية الحديثة وملحقاتها وأدوات صيانتها، بما يسهم في توفير هذه المنظومات محلياً، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وخفض تكاليف تجهيزها وصيانتها.
ثانياً: تنظيم عملية الاستيراد، على أن تتولى شركة التجهيزات الزراعية استيراد منظومات الري والمرشات من مناشئ رصينة وذات جودة وكفاءة عالية، بما يضمن حصول المزارعين على معدات موثوقة وقادرة على العمل في الظروف الصحراوية.
ثالثاً: توزيع منظومات الري والمرشات على الفلاحين والمزارعين بأسعار مخفضة وبأرباح رمزية، بما يخفف من كلفة إنشاء المشاريع الزراعية الصحراوية، ويشجع أصحاب الأراضي على اعتماد تقنيات الري الحديثة.
رابعاً: إعادة النظر في أسعار الحنطة المسوقة إلى السايلوات، وإعادتها إلى سعرها السابق البالغ 850 ألف دينار للطن، باعتبار أن كلف إنتاج الحنطة في الأراضي الصحراوية أعلى بكثير من كلف إنتاجها في الأراضي الطينية والمروية، نتيجة ارتفاع تكاليف حفر الآبار وتشغيل المرشات والوقود والصيانة والنقل وغيرها من مستلزمات الإنتاج.
إن تحقيق التوازن بين كلفة الإنتاج وسعر التسويق يمثل عاملاً أساسياً في استمرار المزارع، إذ لا يمكن مطالبة الفلاح بالتوسع في استثمار الأراضي الصحراوية من دون توفير مردود اقتصادي يتناسب مع حجم الإنفاق والمخاطر التي يتحملها.
خامساً: العمل على تعبيد الطرق الصحراوية وتوسعتها بشكل واسع وفي مختلف المحافظات التي تشهد نشاطاً زراعياً صحراوياً، لما لذلك من أهمية في تسهيل عمليات نقل مستلزمات الإنتاج والمحاصيل الزراعية، وتقليل أجور النقل التي تشكل جزءاً مهماً من الكلفة، فضلاً عن تسهيل وصول الآليات والمعدات إلى المشاريع الزراعية.
سادساً: توفير أشجار دائمة الخضرة من قبل الهيئة العامة لمكافحة التصحر، وتوزيعها مجاناً على الفلاحين والمزارعين، لغرض إنشاء أحزمة خضراء حول الأراضي والمشاريع الزراعية الصحراوية، بما يسهم في حمايتها من العواصف الترابية والرياح، والحد من تأثيراتها في المحاصيل والتربة.
ولا تقتصر أهمية هذه الأحزمة الخضراء على حماية الأراضي الزراعية فحسب، بل يمكن أن تؤدي دوراً بيئياً مهماً من خلال إنشاء أحزمة خضراء حول المدن والمناطق المحاذية للصحاري، والمساهمة في الحد من زحف التصحر وتحسين البيئة وتقليل تأثيرات العواصف الترابية.
إن الزراعة الصحراوية تمثل فرصة مهمة لتوسيع الرقعة الزراعية واستثمار الأراضي غير المستغلة، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى سياسات داعمة تأخذ في الاعتبار خصوصية هذه المناطق وارتفاع كلف الإنتاج فيها. ولذلك فإن معالجة هموم أصحاب مرشات الري والمزارعين في البوادي لا ينبغي أن تقتصر على دعم مؤقت، بل تتطلب رؤية متكاملة تشمل مستلزمات الري، وأسعار المحاصيل، والطرق، والتجهيزات الزراعية، ومكافحة التصحر.
وبقدر ما تتوافر هذه المقومات، يمكن للزراعة الصحراوية أن تتحول من تجربة تواجه أعباء وكلفاً مرتفعة إلى قطاع منتج ومستدام، يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وتحقيق الأمن الغذائي، ويوفر فرصاً أوسع للاستثمار والعمل في المناطق الصحراوية.
ـــــــــــــــــــ
* مهندس زراعي استشاري