اخر الاخبار

يعد محصول الرز من المحاصيل الغذائية والاستراتيجية المهمة، إلا أن إنتاجه يواجه جملة من التحديات الزراعية، في مقدمتها الآفات والأمراض النباتية التي يمكن أن تتسبب بخسائر اقتصادية وإنتاجية متفاوتة بحسب شدة الإصابة والظروف البيئية ومرحلة نمو النبات. ومن أبرز الأمراض الفطرية التي تصيب الرز مرض لفحة الغمد (Sheath Blight)، الذي يسببه الفطر Rhizoctonia solani Kühn.

ويعد هذا المرض من الأمراض المهمة التي تصيب الرز في العديد من مناطق زراعته حول العالم، ولا سيما في نظم الزراعة الكثيفة، وقد تتسبب الإصابة الشديدة في خسائر كبيرة في الإنتاج. وتشير مصادر المعهد الدولي لبحوث الأرز إلى أن الخسائر تختلف بصورة واسعة تبعاً لشدة المرض ومرحلة الإصابة والظروف البيئية، وقد سجلت في بعض الحالات خسائر وصلت إلى 50 في المائة أو أكثر في الأصناف شديدة الحساسية والظروف الملائمة لتطور المرض.

الظروف الملائمة لانتشار المرض

تتطور لفحة الغمد بصورة أكبر في البيئات الحارة والرطبة، إذ تشير المراجع الزراعية إلى أن درجات الحرارة المرتفعة، ولا سيما في حدود 28–32  درجة مئوية، مع ارتفاع الرطوبة النسبية داخل الغطاء النباتي إلى نحو 85 – 100 في المائة، توفر ظروفاً مناسبة لتطور المرض وانتشاره. كما تساعد كثافة النباتات، وتقارب المسافات بينها، وارتفاع مستوى التسميد النيتروجيني، واستمرار رطوبة الغطاء النباتي، على زيادة شدة الإصابة.

ويمتلك الفطر مدى عائلياً واسعاً، ويمكنه إصابة عدد من المحاصيل والنباتات، وهو ما يزيد من أهمية إدارة بقايا المحاصيل والأدغال والنباتات العائلة للمرض في الحقول والمناطق المحيطة بها. وتعد كثافة الغطاء النباتي من العوامل المهمة، لأنها تقلل حركة الهواء وتزيد الرطوبة حول الأغماد والأوراق، الأمر الذي يهيئ ظروفاً ملائمة لتطور المرض.

كيف تظهر الإصابة؟

تبدأ الأعراض عادة على أغماد الأوراق القريبة من سطح الماء أو التربة، وتظهر في صورة بقع بيضاوية أو إهليلجية ذات لون أخضر رمادي، وقد يبلغ طولها في بدايتها نحو 1–3 سنتيمترات. ومع تقدم الإصابة تتوسع البقع وتصبح غير منتظمة، ويتحول مركزها إلى اللون الرمادي أو الأبيض الرمادي، بينما تظهر حواف بنية أو داكنة.

وفي الظروف الملائمة، يمكن أن تمتد الإصابة من الأغماد السفلية إلى الأغماد العليا ونصل الأوراق، وقد تصل إلى الأوراق العليا وورقة العلم في الإصابات الشديدة. كما يمكن أن تنتقل العدوى بين النباتات المتجاورة داخل الحقل، خصوصاً عندما يكون الغطاء النباتي كثيفاً ومتلامساً. وتظهر الأعراض عادة خلال مراحل التفريع وحتى مرحلة امتلاء الحبوب، مع اختلاف شدة الإصابة بحسب الظروف البيئية وعمر النبات.

وتؤدي الإصابة الشديدة إلى تضرر مساحة الأوراق الخضراء وتسارع شيخوخة الأوراق وجفافها، ما يقلل قدرة النبات على القيام بعملية البناء الضوئي. وإذا وصلت الإصابة إلى الأجزاء العليا من النبات، ولا سيما الأوراق المهمة في مرحلة تكوين وامتلاء الحبوب، فإن تأثيرها في الإنتاج يمكن أن يكون أكبر.

كيف يبقى الفطر وينتقل؟

يتميز Rhizoctonia solani  بقدرته على البقاء في التربة وبقايا النباتات، ويعتمد في بقائه وانتشاره على الغزل الفطري والأجسام الحجرية (Sclerotia)، وهي تراكيب مقاومة تساعده على البقاء في الظروف غير الملائمة.

ومن المهم تصحيح مفهوم شائع بشأن طريقة انتقال المرض؛ فالفطر لا ينتج أبواغاً هوائية تنتقل لمسافات بعيدة بواسطة الرياح بالطريقة المعروفة لدى بعض الفطريات الممرضة الأخرى. ويحدث انتشار لفحة الغمد أساساً من خلال الغزل الفطري والأجسام الحجرية الموجودة في التربة أو بقايا المحاصيل، ويمكن أن تساعد مياه الري على نقل هذه التراكيب إلى أجزاء أخرى من الحقل، حيث تلامس أغماد النباتات وتبدأ العدوى.

كما تسهم النباتات المصابة وبقايا المحصول والأدغال في الحفاظ على مصدر العدوى، ولذلك فإن إهمال تنظيف الحقل والتخلص من البقايا المصابة يمكن أن يزيد من احتمالات ظهور المرض في المواسم اللاحقة.

النيتروجين والكثافة الزراعية.. عوامل تزيد الخطر

لا يعني ذلك أن التسميد النيتروجيني بحد ذاته يسبب المرض، لكن الإفراط فيه يمكن أن يؤدي إلى نمو خضري كثيف وخلق بيئة أكثر ملاءمة لتطور لفحة الغمد. وقد أظهرت دراسات زراعية ارتباطاً بين معدلات التسميد النيتروجيني وشدة المرض، كما أن إدارة التسميد بطريقة متوازنة تعد جزءاً مهماً من الإدارة المتكاملة للمرض.

كذلك فإن الزراعة الكثيفة أو ارتفاع معدلات البذار يؤديان إلى تكوين غطاء نباتي متقارب، ما يرفع الرطوبة داخل المجموع الخضري ويحد من حركة الهواء، وبالتالي يوفر ظروفاً مناسبة لانتشار المرض. ولهذا فإن تنظيم الكثافة النباتية يمثل أحد الإجراءات الوقائية المهمة.

المكافحة.. الحل في الإدارة المتكاملة

لا توجد وسيلة واحدة كافية للقضاء على لفحة الغمد، ولذلك ينبغي اعتماد الإدارة المتكاملة للمرض، التي تجمع بين الإجراءات الزراعية والوقائية والمكافحة الكيميائية، مع الاستفادة من وسائل المكافحة الحيوية عند توفرها.

وتبدأ الوقاية باختيار الأصناف التي تظهر مستوى أفضل من التحمل للمرض، مع التأكيد على أن المصادر العلمية لا تشير إلى وجود أصناف أرز تتمتع بمقاومة كاملة للمرض، وإنما توجد فروق بين التراكيب الوراثية في درجة الاستجابة والتحمل.

كما ينبغي تجنب الزراعة الكثيفة، واعتماد معدلات بذار ومسافات زراعية مناسبة، وتنظيم التسميد، ولا سيما النيتروجين، بما يتناسب مع احتياجات النبات وظروف الحقل. ويعد التخلص من بقايا النباتات المصابة ومكافحة الأدغال المحيطة بالحقول من الإجراءات التي تساعد على تقليل مصادر العدوى.

ومن الإجراءات المهمة أيضاً إدارة مياه الري بصورة صحيحة، وتجنب استمرار الظروف شديدة الرطوبة لفترات طويلة، إذ توصي المراجع بإجراء تصريف مبكر نسبياً للمياه خلال مراحل مناسبة من الموسم للحد من ظروف تطور المرض، مع مراعاة الاحتياجات المائية الفعلية للمحصول والظروف المحلية.

المكافحة الكيميائية.. متى تستخدم؟

تمثل المبيدات الفطرية إحدى أدوات مكافحة لفحة الغمد، خصوصاً عندما تكون الظروف البيئية شديدة الملاءمة للمرض أو عند اكتشاف الإصابة في مراحل مبكرة، لكن استخدامها ينبغي أن يكون ضمن برنامج متكامل وليس بديلاً عن الإدارة الزراعية الصحيحة.

وتشير الدراسات إلى استخدام مبيدات فطرية جهازية وغير جهازية في إدارة المرض، مع وجود فعالية لمجموعات مختلفة من المواد الفعالة، ومنها أزوكسيستروبين (Azoxystrobin) في بعض برامج المكافحة. إلا أن اختيار المبيد والجرعة وتوقيت الرش وعدد المعاملات يجب أن يستند إلى تسجيل المادة الفعالة في البلد، وتعليمات الملصق الرسمي، ومرحلة نمو المحصول وشدة الإصابة. كما ينبغي عدم تكرار المواد الفعالة ذات آلية التأثير نفسها بصورة متواصلة لتقليل خطر تطور مقاومة الفطر للمبيدات.

التشخيص المبكر يوفر الخسائر

يمثل اكتشاف المرض في مراحله الأولى عاملاً مهماً في الحد من انتشاره، لذلك ينبغي للمزارع والمرشد الزراعي مراقبة الأغماد السفلية للنباتات بصورة مستمرة، خصوصاً عند ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة أو زيادة كثافة المحصول.

والتشخيص الصحيح مهم أيضاً للتمييز بين لفحة الغمد وأمراض أو إصابات أخرى يمكن أن تظهر أعراضاً متشابهة على ساق النبات أو أوراقه. ومن العلامات المميزة للمرض وجود البقع غير المنتظمة ذات المركز الرمادي أو الأبيض الرمادي والحواف البنية على أغماد الأوراق، مع إمكانية العثور على الأجسام الحجرية للفطر في النباتات المصابة.

وفي النهاية، فإن التعامل مع لفحة الغمد ينبغي ألا يقتصر على استخدام المبيدات بعد ظهور الإصابة، بل يبدأ من اختيار الصنف، وتنظيم الكثافة الزراعية، والتسميد المتوازن، وإدارة المياه، ومكافحة الأدغال، والتخلص من مصادر العدوى، والمراقبة المبكرة، ثم اللجوء إلى المبيد المناسب عند الحاجة.

إن اعتماد هذه الإجراءات بصورة متكاملة يمكن أن يسهم في تقليل شدة المرض وحماية المساحة الخضراء للنبات وتحسين فرص امتلاء الحبوب، وبالتالي الحد من الخسائر الاقتصادية التي قد تلحق بمحصول الرز.

ـــــــــــــــــــ

*مهندس زراعي استشاري