اخر الاخبار

في تاريخ الشعوب، لا تقاس الثورات بتغيير الأنظمة السياسية فحسب، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس، ولا سيما الفئات الكادحة التي تشكل العمود الفقري للإنتاج والتنمية. ومن هذا المنطلق، شكلت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث، بعدما نقلت الطبقة العاملة من هامش الحياة الاقتصادية إلى قلب المشروع الوطني، عبر سياسات وتشريعات هدفت إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز دور الدولة في حماية حقوق العمال.

العمال في صلب مشروع الدولة الجديدة

جاءت ثورة 14 تموز وهي تحمل رؤية مختلفة لإدارة الدولة والاقتصاد، قائمة على دعم القطاع العام، وحماية الثروات الوطنية، وتوسيع دور الدولة في التنمية. ولم يكن العامل مجرد قوة إنتاج، بل أصبح جزءاً من مشروع بناء العراق الجديد.

وخلال سنوات الثورة، شهد العراق توسعاً في إنشاء المصانع والمعامل والمشاريع الإنتاجية، الأمر الذي وفر آلاف فرص العمل، ورسخ مكانة العامل باعتباره شريكا أساسيا في عملية التنمية. كما انعكس هذا التوجه على تحسين ظروف العمل، وتوسيع مظلة الحقوق الاجتماعية، وتعزيز مكانة النقابات العمالية بوصفها ممثلاً حقيقياً لمصالح العمال.

تشريعات كرست العدالة الاجتماعية

ارتبطت ثورة تموز بسلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي استهدفت تقليص الفوارق الطبقية. فقد جاء قانون الإصلاح الزراعي ليضع حداً لهيمنة الإقطاع، فيما ساهمت السياسات الصناعية في توسيع قاعدة الإنتاج الوطني، وتوفير فرص العمل، وتقوية الاقتصاد المحلي.

كما شهدت الحركة النقابية مرحلة من النشاط والتوسع، وأصبح للعمال دور أكبر في الدفاع عن حقوقهم المتعلقة بالأجور، وساعات العمل، والضمانات الاجتماعية، وتحسين بيئة العمل. وكان ذلك انعكاساً لفلسفة سياسية رأت في العدالة الاجتماعية أساساً لاستقرار الدولة وتقدمها.

الحركة العمالية شريك في بناء العراق

لم تكن إنجازات تلك المرحلة لتتحقق لولا الدور الذي لعبته الحركة العمالية، التي كانت حاضرة في مختلف مواقع الإنتاج، وأسهمت في بناء المصانع وشبكات النقل والطاقة والمشاريع الخدمية.

كما لعبت القوى الوطنية والديمقراطية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، دوراً محورياً في تنظيم الحركة النقابية والدفاع عن حقوق العمال، وترسيخ ثقافة العمل النقابي، وصولاً إلى تحقيق العديد من المكاسب التي بقيت لعقود طويلة تمثل مرجعاً للحركة العمالية العراقية.

التراجع عن المنجزات في العهود اللاحقة

لكن تلك المكتسبات تعرضت خلال العقود اللاحقة إلى انتكاسات متتالية بفعل الانقلابات السياسية والحروب والحصار، ثم السياسات الاقتصادية التي اتجهت نحو إضعاف القطاع العام وتراجع الصناعة الوطنية.

واليوم، يواجه العامل العراقي واقعاً مختلفاً، فمعدلات البطالة في ارتفاع، والعمل المؤقت واليومي يتسع، فيما يعمل مئات الآلاف في القطاع الخاص من دون ضمان اجتماعي أو تأمين صحي أو حقوق تقاعدية. كما تعاني المصانع الحكومية من الإهمال والتوقف، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على فرص العمل والإنتاج الوطني.

استذكار الثورة دفاع عن حقوق العمال

إن استذكار ثورة 14 تموز لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفال بذكراها، بل يجب أن يكون مناسبة لاستحضار القيم التي قامت عليها، وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية، وحماية العمل الوطني، وصون كرامة العمال.

فالطبقة العاملة اليوم تواجه تحديات كبيرة، تبدأ من البطالة وانخفاض الأجور، ولا تنتهي عند ضعف تطبيق قوانين العمل والضمان الاجتماعي. وهو ما يجعل استعادة السياسات الداعمة للإنتاج الوطني، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتعزيز الحريات النقابية، ضرورة وطنية وليست مطلباً فئوياً.

لقد أثبتت تجربة ثورة 14 تموز أن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا حين يكون العامل محوراً للسياسات الاقتصادية، لا ضحية لها. وأن بناء الدولة يبدأ من احترام الإنسان المنتج، وتوفير العمل اللائق، وضمان الحقوق الاجتماعية، وهي المبادئ التي ما زالت الحركة العمالية العراقية تتمسك بها حتى اليوم.

وبعد ثمانية وستين عاما على الثورة، يبقى السؤال قائما: هل تستعيد الدولة نهجها في دعم العمال والإنتاج الوطني، أم يستمر التراجع الذي جعل آلاف الكادحين يقفون على الأرصفة والتقاطعات بحثا عن لقمة عيش، بعدما كانوا قبل عقود جزءاً من مشروع وطني لبناء عراق منتج وعادل؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالماضي فحسب، بل بمستقبل الطبقة العاملة ومستقبل العراق بأسره.