تُعد القضية الفلسطينية والقضية الصحراوية من أطول النزاعات في التاريخ المعاصر، إذ استمرت لعقود طويلة، حتى إن أجيالًا كاملة وُلدت ولم ترَ أوطانها إلا في نشرات الأخبار أو في ذاكرة الآباء والأجداد. ورغم ما يعانيه الشعبان من أوضاع معيشية واقتصادية وصحية صعبة، واعتماد أعداد كبيرة منهما على المساعدات التي تقدمها وكالات الأمم المتحدة، فإن القضيتين لا تزالان تمثلان محورًا مهمًا في التوازنات السياسية الإقليمية والدولية. وعلى الرغم من اختلاف السياقات التاريخية والقانونية، فإن بينهما أوجه تشابه عديدة، إلى جانب اختلافات تفرضها خصوصية كل قضية.
فالقضية الفلسطينية، تاريخيًا، بدأت عندما أنهى الاحتلال البريطاني فترة انتدابه على فلسطين، وما رافق ذلك من سياسة إعادة رسم الحدود السياسية للدول التي كانت تحت وطأة الانتداب البريطاني، وقد أعقبها قيام دولة إسرائيل سنة 1948، مما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من الفلسطينيين.
أما القضية الصحراوية، فقد بدأ النزاع بعد انسحاب إسبانيا من الإقليم عام 1975، ودخول المغرب إليه، في حين أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، لتبدأ مرحلة جديدة وطويلة عاشها الشعب الصحراوي، وما رافقها من تشتت وتهجير ونزوح إلى المخيمات.
إن القضيتين من القضايا المحورية لدى الأمم المتحدة، من حيث متابعة عدد القرارات التي تصدر عن الجمعية العامة أو مجلس الأمن، أو عبر البعثات الدبلوماسية والوساطات والتحكيم وغيرها. إلا أن أهمها يتمثل في مبدأ تقرير المصير، حيث أكد قرار الجمعية العامة رقم (3236) لسنة 1974 حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، والاستقلال، والسيادة الوطنية. ومن حيث التشابه، فإن الفلسطينيين يؤكدون حقهم في إقامة دولتهم المستقلة وفق قرارات الأمم المتحدة، بينما يرى مؤيدو الطرح الصحراوي أن لسكان الصحراء الغربية الحق في تقرير مصيرهم.
وهذا ما أكده أيضًا قرار الجمعية العامة رقم (2229) لسنة 1966، الذي دعا إلى تنظيم استفتاء في الصحراء الغربية لتمكين سكان الإقليم من ممارسة حقهم في تقرير المصير، عبر استفتاء تشرف عليه الأمم المتحدة. إضافة إلى ذلك، فإن قرارات مجلس الأمن السنوية بشأن ولاية بعثة MINURSO تجدد ولاية البعثة بشكل دوري، مع التأكيد على دعم عملية سياسية تهدف إلى التوصل إلى حل سياسي مقبول للطرفين، يكفل تقرير المصير، وفق الصياغة التي يعتمدها المجلس في قراراته المتعاقبة بشأن القضية الصحراوية.
وفي المقابل، نجد أن إسرائيل والمغرب تطرحان رؤى مختلفة بشأن مستقبل الإقليمين، وهو ما يجعل تطبيق مبدأ تقرير المصير محل خلاف سياسي وقانوني مستمر.
ويبقى السؤال الذي يبرز هنا: ما مدى جدية القرارات والحلول التي تطرحها منظمة الأمم المتحدة؟ وما مدى جدية النظام الدولي في تنفيذ تلك القرارات، في ظل التباين الواضح في مواقف الدول المؤثرة واختلاف مصالحها الاستراتيجية؟
إلا أننا، ومن واجبنا، أن نذكر هنا أوجه الاختلاف بين القضيتين، وفي مقدمتها نظرة الأمم المتحدة إليهما من حيث الأطر القانونية؛ فالقضية الفلسطينية ترتبط بقضايا الاحتلال، بينما تندرج القضية الصحراوية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وترتبط بمسار إنهاء الاستعمار وحق تقرير المصير، فضلاً عن اختلاف طبيعة أطراف النزاع، وآليات التسوية، وغيرها من المسائل القانونية الشائكة.
إلا أن القضيتين تشتركان في قاسم إنساني مشترك، يتمثل في معاناة الإنسان الذي ينتظر، منذ عقود خلت، حلاً يصون كرامته وحقوقه في وطن مؤجل، وقرارات طُبعت على الورق ولم تجد طريقها إلى التنفيذ. فوجود قرارات دولية لا يعني بالضرورة تطبيقها، خصوصًا عندما تتداخل مصالح القوى الكبرى، أو تتعارض مواقف الأطراف المعنية بشأن آليات الحل.