اخر الاخبار

رغم استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، عادت واشنطن لتلوح بخيار التفاوض. وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أعلن من قمة آسيان أن بلاده مستعدة للحوار وتسوية الخلافات في الشرق الأوسط، لكنه حمّل طهران مسؤولية تعثر المسار السياسي، معتبراً أنها لا تبدي الجدية الكافية في المفاوضات.

إلا أن هذه التصريحات جاءت بالتزامن مع مواصلة القوات الأمريكية ضرباتها الجوية داخل إيران لليلة الحادية عشرة على التوالي، في مفارقة تعكس اعتماد واشنطن سياسة "التفاوض من موقع القوة"، حيث تُستخدم العمليات العسكرية كورقة ضغط لفرض شروط سياسية، وليس كبديل عن الحوار.

طهران توسع دائرة المواجهة

الرد الإيراني لم يعد يقتصر على استهداف المصالح الأمريكية المباشرة، بل اتجه نحو توسيع خارطة العمليات العسكرية في المنطقة.

فقد أعلن الجيش الإيراني استهداف قاعدة الأزرق في الأردن وقاعدة الشيخ عيسى في البحرين، إضافة إلى استهداف تجهيزات للقوات الأمريكية غربي الكويت باستخدام الطائرات المسيرة.

كما شهدت عدة محافظات إيرانية، بينها بوشهر وخوزستان وإيلام وهرمزغان، غارات أمريكية جديدة، بينما أعلنت السلطات الإيرانية تفعيل الدفاعات الجوية في أكثر من منطقة، في حين أكد الحرس الثوري أن عمليات "معاقبة المعتدي" ستستمر.

هذا التوسع يؤشر إلى انتقال الصراع من مواجهة ثنائية إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، مع اتساع رقعة الدول المتأثرة بالعمليات العسكرية.

المنطقة تدفع الثمن

الانعكاسات لم تعد عسكرية فقط، بل بدأت تضرب الأمن الإقليمي بصورة مباشرة.

الأردن أعلن اعتراض أربعة صواريخ إيرانية، بينما دوّت الانفجارات في مدينة العقبة نتيجة عمليات الاعتراض، في وقت أكدت إسرائيل أنها رصدت الصواريخ دون أن تشارك في إسقاطها.

وفي البحر الأحمر، تصاعدت التحذيرات من تهديد الملاحة الدولية، مع تقارير عن استعداد الحوثيين لاستهداف السفن قرب مضيق باب المندب، بالتزامن مع استمرار انخفاض حركة السفن في مضيق هرمز.

وهذا يعني أن الحرب تجاوزت حدود ساحات القتال، لتصبح تهديداً مباشراً لسلاسل الإمداد العالمية وحركة التجارة الدولية.

اقتصاد الحرب يضغط على الجميع

ومع كل يوم إضافي من الحرب يرفع فاتورة الاقتصاد العالمي. واشنطن نفسها بدأت تواجه أزمة تمويل العمليات العسكرية، بعدما طلب البنتاغون من الكونغرس حزمة طارئة بقيمة 87 مليار دولار، فيما ارتفعت الكلفة المباشرة للحرب إلى 37.5 مليار دولار حتى الآن.

وفي المقابل، تتزايد المخاوف من ارتفاع أسعار النفط والغاز والوقود، مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، وهما من أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والبضائع في العالم.

فالحرب لم تعد تستنزف الجيوش فقط، بل أصبحت تستنزف الاقتصادات أيضاً، وهو ما ينعكس على أسعار السلع والنقل والتأمين، ويدفع الشعوب ثمن الصراع عبر موجات تضخم جديدة.

الاستنزاف يخدم من؟

وتكشف هذه الحرب مجدداً أن منطق القوة العسكرية لا ينتج حلولاً سياسية، بل يطيل أمد الصراع ويعمّق الأزمات الإنسانية والاقتصادية.

فالإنفاق العسكري يتصاعد بمليارات الدولارات، بينما تتراجع الأولوية لملفات التنمية والخدمات والعدالة الاجتماعية، وتتحول شعوب المنطقة إلى رهائن لمعادلات الصراع بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية.

كما أن عسكرة الممرات البحرية وتحويلها إلى ساحات مواجهة يهدد الأمن الاقتصادي العالمي، ويمنح شركات السلاح والطاقة والمجمع الصناعي العسكري مكاسب هائلة، في الوقت الذي تتحمل فيه الشعوب كلفة الحرب من أمنها ومعيشتها واستقرارها.

بين التفاوض والتصعيد

المشهد الحالي يكشف تناقضاً واضحاً؛ فبينما تتحدث واشنطن عن الحوار، تتواصل الغارات الجوية، وبينما تؤكد إيران استعدادها لمواصلة الرد، فإنها توسع نطاق عملياتها خارج حدودها.

وفي ظل غياب مبادرة سياسية قادرة على وقف التصعيد، تبدو المنطقة أمام حرب استنزاف مفتوحة، لا تملك فيها الشعوب سوى انتظار فاتورة جديدة من الدم والدمار والأزمات الاقتصادية، فيما يبقى الحل السياسي المؤجل هو الخيار الوحيد القادر على كسر دائرة العنف المستمرة.

الشعوب تدفع فاتورة الحرب

بعيداً عن بيانات الجيوش وتصريحات الساسة، تبقى شعوب المنطقة الخاسر الأكبر في هذه المواجهة. ففي إيران، تتعرض المدن للقصف وتتعطل الخدمات وتزداد الضغوط الاقتصادية، بينما يعيش سكان دول الخليج والأردن ولبنان والعراق حالة ترقب دائمة مع اتساع دائرة الصراع واحتمالات امتداد الهجمات. أما الملاحة البحرية واضطراب أسواق الطاقة فيهددان بارتفاع أسعار الغذاء والوقود وتكاليف النقل، ما يعني أن آثار الحرب لن تتوقف عند حدود الدول المتحاربة، بل ستمتد إلى ملايين المواطنين في الشرق الأوسط والعالم، الذين سيدفعون ثمن صراع لا يملكون قرار إشعاله ولا إنهائه. وعليه فإن استمرار الحروب يكرّس تحويل الموارد إلى الإنفاق العسكري بدلاً من توجيهها للتنمية والصحة والتعليم، لتبقى الشعوب هي الضحية الأولى والأخيرة في معادلات القوة والنفوذ.