بعد شهر واحد فقط من توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو الدبلوماسية وكأنها انهارت أمام منطق القوة. فالحرب التي دخلت يومها الـ142 تشهد تصعيدا غير مسبوق، مع استمرار الضربات الأمريكية على الأراضي الإيرانية لليلة التاسعة على التوالي، واتساع دائرة الاشتباك لتشمل الخليج العربي والممرات البحرية، في مشهد يعيد المنطقة إلى سياسة الحروب المفتوحة التي لطالما دفعت الشعوب ثمنها.

ورغم أن مذكرة التفاهم كان يفترض أن تؤسس لمرحلة تهدئة، فإن التطورات الميدانية تشير إلى أن الاتفاق لم يصمد سوى أسابيع قليلة، قبل أن تتحول المنطقة مجددا إلى ساحة مواجهة عسكرية، تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية بالطاقة والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي. 

واشنطن توسع عملياتها العسكرية

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أنها تواصل الضربات الجوية ضد إيران لليلة التاسعة على التوالي، مؤكدة استهداف مراكز قيادة عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة وشبكات اتصالات ومنظومات دفاع جوي، بحجة حماية الملاحة في مضيق هرمز وتقليص القدرات العسكرية الإيرانية.

لكن السلطات الإيرانية أعلنت تعرض مدينة بوشهر لهجومين أمريكيين، بالتزامن مع قصف طال مناطق في أصفهان وأذربيجان الشرقية، وأسفر عن سقوط قتيل وعدد من الجرحى، فيما أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن الضربات استهدفت أيضا بنى تحتية مدنية وجسورا ومرافق خدمية.

ويثير استهداف المنشآت المدنية أو البنية التحتية غير العسكرية تساؤلات جدية بشأن مدى التزام أطراف النزاع بقواعد القانون الإنساني الدولي، الذي يحظر استهداف الأعيان المدنية ويشترط مبدأ التناسب في العمليات العسكرية.

الخليج يتحول إلى ساحة مواجهة

لم تعد الحرب محصورة داخل الحدود الإيرانية، إذ امتدت إلى الخليج بصورة مباشرة.

فقد أعلنت الكويت اعتراض طائرات مسيرة معادية، بينما أعلنت البحرين ثلاث مرات خلال ساعات إطلاق صفارات الإنذار واعتراض أهداف جوية، في حين أكد الحرس الثوري الإيراني استهداف قواعد أمريكية في المنطقة، وهدد بمواصلة الرد طالما استمرت الهجمات الأمريكية.

كما تعرضت سفينة تجارية قرب السواحل العمانية لمقذوف مجهول أدى إلى اندلاع حريق فيها، بينما أظهرت بيانات الملاحة انخفاضا ملحوظا في عدد السفن العابرة لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.

ويعني ذلك أن الحرب لم تعد تهدد إيران وحدها، بل أصبحت تمس أمن الطاقة العالمي، وترفع احتمالات اضطراب الأسواق وارتفاع تكاليف النقل وأسعار النفط والسلع الأساسية.

الدبلوماسية تتراجع أمام لغة السلاح

في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الأمريكية تنفذ غاراتها، كرر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن بلاده "منفتحة على حل دبلوماسي"، مؤكدا وجود قنوات اتصال مع طهران.

لكن هذا الخطاب يتناقض مع الوقائع العسكرية على الأرض، خاصة بعد تقارير تحدثت عن استعداد البنتاغون لتوسيع العمليات العسكرية، وزيادة أعداد الطائرات الأمريكية في المنطقة، مع استمرار تنفيذ الضربات اليومية.

أما طهران، فأكدت عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، أن نص مذكرة التفاهم واضح، وأن الولايات المتحدة هي التي انتهكت الاتفاق، مشيرا إلى أن وسطاء إقليميين ودوليين يواصلون تقديم مقترحات لمنع الانفجار الشامل.

وفي هذا السياق، توجه وزير الداخلية الإيراني إلى باكستان حاملا رسالة من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في مؤشر على استمرار التحركات الدبلوماسية بالتوازي مع التصعيد العسكري.

من يدفع ثمن الحرب؟

ولا يمكن قراءة هذه الحرب باعتبارها مجرد صراع بين دولتين، بل باعتبارها امتدادا لسياسات الهيمنة العسكرية التي تجعل من شعوب المنطقة وقودا لصراعات النفوذ.

فالولايات المتحدة تبرر عملياتها بحماية الملاحة الدولية، فيما تؤكد إيران أنها تمارس حقها في الدفاع عن النفس، لكن النتيجة العملية واحدة: مدن تتعرض للقصف، وبنى تحتية تُدمّر، وممرات تجارية تتعطل، واقتصادات تتعرض لضغوط متزايدة.

وتاريخ المنطقة يثبت أن الحروب لا تنتهي بانتصار الشعوب، بل بمزيد من الديون، والإنفاق العسكري، وارتفاع معدلات الفقر، وتراجع التنمية، بينما تحقق شركات الصناعات العسكرية والطاقة والمقاولات أرباحا هائلة على حساب المدنيين.

المؤشرات الحالية توحي بأن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة أكثر خطورة من مجرد تبادل الضربات.

فالحديث الإسرائيلي عن اجتماع أمني عاجل، والتقارير الأمريكية عن احتمال توسيع الحرب، واستمرار الهجمات المتبادلة، كلها عوامل ترفع احتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة، قد تشمل أطرافا جديدة وتؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي.

وبينما لا تزال قنوات الوساطة مفتوحة، فإن استمرار العمليات العسكرية يجعل فرص نجاحها تتراجع يوما بعد آخر.