يتواصل العدوان العسكري الهمجي الصهيوني في جنوب لبنان وسط سقوط شهداء وجرحى جراء الغارات والقصف، بالتزامن مع اتساع دائرة الاعتراضات السياسية اللبنانية على مسار المفاوضات الجارية برعاية أميركية لتثبيت وقف إطلاق النار، في ظل تمسك الكيان الصهيوني ببقاء قواته في الأراضي التي احتلتها ورفض تقديم أي التزام واضح بالانسحاب.
جرائم مستمرة
ميدانياً، أعلن الجيش اللبناني استشهاد عدد من العسكريين في غارة إسرائيلية استهدفت آلية عسكرية على طريق الخردلي، فيما أفاد مصدر أمني باستشهاد ضابطين، أحدهما برتبة عميد، إضافة إلى جندي. كما أسفرت غارة إسرائيلية على بلدة زبدين عن استشهاد خمسة أشخاص، بينهم مسعف، بحسب الدفاع المدني اللبناني. وتزامن ذلك مع غارات استهدفت بلدات عدة في الجنوب، وإنذارات إسرائيلية بإخلاء مناطق تقع جنوب نهر الزهراني.
وفي الوقت الذي أكد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن اتفاق وقف إطلاق النار "لم يكتمل بعد"، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عنه وعن رئيس الأركان إيال زامير تأكيدهما عدم وجود نية للانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان في المستقبل المنظور، مع إبقاء خيار توسيع العمليات العسكرية قائماً.
مسار التفاوض
وأثارت هذه المواقف ردود فعل سياسية واسعة داخل لبنان، خصوصاً بعد الإعلان عن تفاهمات ومشاورات لبنانية ـ أميركية بشأن مستقبل الوضع الحدودي.
وفي هذا السياق، شن عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني الرفيق عمر ديب هجوماً حاداً على البيان اللبناني المشترك المتعلق بالمفاوضات، معتبراً أنه يفتقر إلى أي ضمانات حقيقية تحفظ السيادة اللبنانية أو تؤدي إلى إنهاء الاحتلال.
وقال ديب إنه أعاد قراءة البيان مرات عدة بحثاً عن أي إشارة إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، إلا أنه لم يجد، بحسب تعبيره، "حتى ورقة توت تستر عجز السلطة عن الدفاع عن حقوق لبنان".
وأضاف أن كلمة "الانسحاب" غابت بالكامل عن البيان، وكذلك كل المفردات التي يمكن أن تشير إلى إنهاء الاحتلال، في حين وردت إشارات إلى "إجلاء" المقاومين اللبنانيين من مناطقهم، وهو ما عدّه انحيازاً واضحاً لمصالح الاحتلال على حساب اللبنانيين.
ووصف القيادي الشيوعي البيان بأنه "مخزٍ ومعيب"، معتبراً أنه لن يجد طريقه إلى التنفيذ، وأن الجهات اللبنانية التي وافقت عليه تدرك ذلك، كما يدركه الأميركيون والإسرائيليون.
ورأى أن الهدف الفعلي منه يتمثل في "إبراء ذمة" الولايات المتحدة وإسرائيل من استمرار العدوان، مقابل تحميل القوى الرافضة للمشروع مسؤولية تعطيل الحلول. وحذر من أن استمرار هذا النهج سيُبقي لبنان عرضة للحرب والاعتداءات الإسرائيلية لأشهر وربما لسنوات مقبلة.
تذكير بأوسلو
من جهته، أبدى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مخاوفه من أن تتحول المفاوضات الحالية إلى مسار مفتوح يشبه تجربة اتفاق أوسلو الفلسطينية، من دون تحقيق نتائج فعلية على الأرض.
وقال جنبلاط إن أي عملية تفاوضية يجب أن تنطلق من تحديد واضح للهدف النهائي، محذراً من الوقوع في فخ البيانات المشتركة التي تجمع بين مواقف متناقضة وتترك القضايا الجوهرية معلقة. وأكد أن المفاوضات يجب ألا تتحول إلى "تفاوض من أجل التفاوض"، لأن ذلك قد يقود إلى واقع مشابه لما شهدته القضية الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو.
وأضاف أن الخطر يكمن في أن يصبح جزء من الجنوب اللبناني وتراثه وتاريخه وسكانه ضحية لمسار سياسي طويل ومفتوح لا ينتهي باستعادة الحقوق أو إنهاء الاحتلال، داعياً إلى التمسك بأولوية الانسحاب الإسرائيلي الكامل ورفض أي ترتيبات تؤدي إلى تكريس واقع الاحتلال أو المناطق العازلة بصورة دائمة.
من جانب آخر، تتواصل موجات النزوح في جنوب لبنان على وقع التصعيد الميداني والتهديدات الإسرائيلية المتزايدة، وسط ضغوط متصاعدة على البلدات المستقبلة للنازحين ومحاولات محلية لتأمين مراكز إيواء بديلة مع تضاؤل القدرة الاستيعابية.