منذ أن كنتُ نائبًا لرئيس جمعية الشعراء الشعبيين، وبذات الوقت مديرًا لإعلام محافظة النجف عام 1992، وحتى بعد ذلك، حين اتخذتُ قراري الراسخ بالابتعاد والنأي عن الوسط الشعري (لأسباب خاصة)، كان الرجل عنوان بحثي، وذو أثر كبير في وجداني وذائقتي، فلم أفلت من دائرة الاهتمام به البتّة، حتى دنوتُ منه، لأجده دافئًا كمياه الخليج، صافيًا كماء نبعٍ رقراق، لذيذًا كمذاق العافية بعد السقم. كان ذاك أخي وصديقي الكبير المهذّب مهدي عبود السوداني، صاحب المشاعر الإنسانية الصافية والشاعرية المتميزة، الذي اختطفته يد المنون يوم 10 من شباط الماضي.
لا شك أن الشعر عمومًا هو وميضٌ من النبض الإنساني، فإن كان الشاعر مالكَ قارورة العطر، فإن المهتم والمتذوق، بل والناقد كذلك، هو من ينزع عن هذا العطر الغطاء، ويتيح لأريجه الانتشار.
السوداني مهدي، المشبع أصالةً وعمقًا في الإبداع، له ما يفسّر حرصنا على احتساء شهدِه والارتواء من عطر رياضه، خاصةً وأن مساحة عطائه وإبداعه، وطول مسيرته وتاريخ نجاحاته، لم تحظَ بما تستحق من الاهتمام، مقارنةً بمن أفسدوا الذائقة السمعية في الفترات المتأخرة، من الذين خدشوا وجه الجمال في تاريخ الأغنية العراقية الأصيلة، وتربّعوا على الشهرة جزافًا، وصالوا وجالوا في فن التجارة والتسويق الرخيص.
فلمهدي السوداني مسيرة معطّرة، وعطاءٌ من رحيق المعاني وجمار الحلاوة نسجته مخيلته المتألقة، ومحطات مثمرة ومنيرة ووضّاءة مع عمالقة الغناء العراقي؛ محطات لا يمكن أن تُنسى، لأنها ما برحت تطفو على سطح ذاكرة الذائقة، وهي محمّلة بعناقيد الإبداع الزاخر بجمال الأصالة.
فمن منا لم تشعّ في ذاكرته أغنية (بين جرفين العيون) لسامي كمال؟ ومن منا لم يتفيّأ بصفصافة الكبير سعدون جابر، وارفة الظلال (ترضون ابهيمه تخلوني)؟ ومن منا لم يتمايل جذلًا بين نسائم أغنية (هيّه وهاي وهيّه) للمرحومة ربيعة، الفنانة البصرية التي رحلت مبكرًا في حادث غادر.
مهدي السوداني، ابن البصرة البار، وُلد وترعرع وعاش ودرس وعمل وتقاعد فيها، ولم تبرح البصرة شرايينه، بل بقيت تنبض عشقًا بها حتى مماته، معلنةً الولاء والوفاء لمدينة الفن والشعر والموسيقى. لم يجد غير البصرة نديمًا لجراحاته، ويقينًا لظنونه، وملاذًا لهواجسه، ومنتجعًا لروحه الشفافة.
ولعل ما يؤاخذ على شاعرنا مهدي السوداني أن درَّ عطائه وجميل موهبته الشعرية كادا يكونان وقفًا على محيط حبيبته البصرة، مستقرّه الاجتماعي ومنفذ كسبه المعاشي، وهذا يظهر جليًا في الأسماء الفنية التي تعامل معها لحنًا.
ولج الكبير مهدي عبود السوداني عالم الشعر الشعبي وروض القوافي الساحرة عام 1963، وكعادة المبتدئين طرق أبواب البرامج المشهورة آنذاك، فأرسل شاعرنا نتاجاته إلى برنامج (ركن الأدب الشعبي)، الذي كان يعدّه ويقدّمه المرحوم أبو ضاري. وبدأت رحلة الحب والحرف، التي قادته للتعرّف على الأسماء الشعرية المرموقة والمبدعة في الساحة الشعرية، أمثال عريان السيد خلف، وكاظم الكاطع، وكاظم الركابي، وكاظم الرويعي، وجودت التميمي، وجبار الغزي، وأبو سرحان، وكامل العامري، وناظم السماوي، وغيرهم من الأسماء الحاضرة أو الراحلة، رحمهم الله جميعًا.
عمل في مديرية المسارح والفنون الشعبية في البصرة، كما عمل في إذاعاتها، ومنها إذاعة شط العرب. أعدَّ وقدّم الكثير من البرامج الشعرية، ومنها برنامج (شناشيل القوافي). صدر للسوداني ديوان (غزل شياب) المشترك مع الأديب الشاعر والصحفي عبد الأمير الديراوي عام 2021، وديوان (هلاهل ماي) عام 2022، وأخيرًا ديوان (رباعيات سودانية) عام 2023.
تعامل السوداني مع كوكبة رائدة من الطاقات اللحنية المعتبرة، أمثال الراحل طارق الشبلي، وجعفر الخفاف، والراحل كمال السيد، ورضا علي، ويوسف نصار، ونجم مشاري، ورحيم هاشم. وفي عام 1970 كان السوداني على موعد مع النص الغنائي، فكانت البداية مع طارق الشبلي ورياض أحمد، رحمهما الله، وأغنية (مستاحش)، ثم توالت الرحلة مع الملحن نفسه (الصفصاف) لسعدون جابر، و(شوگي خذاني) لسيتا هاكوبيان، و(يلومون المبتلي) لصلاح عبد الغفور، و(آنه الما ناسيك) لقاسم إسماعيل، إلى آخر القائمة.
كما لحّن له الراحل كمال السيد أغنية (بين جرفين العيون)، التي غناها سامي كمال، وترنّمت سيتا هاكوبيان بأغنية (يا هاجري) من ألحان جعفر الخفاف، ولحّن له أيضًا (عتب دافي) بأداء سعدي البياتي. أما الملحن يوسف نصار فقد لحّن له الأغنية المشهورة جدًا (هيّه وهاي وهيّه) بأداء المرحومة ربيعة، و(اشمالك تزعل)، و(أطحن بالرحه)، كما غنّت له سهى عبد الأمير أغنية (أعتب عليك) من ألحان محمود علي.
أدناه مقاطع من آخر قصيدة كتبها السوداني، كما أظن، (تفگة جبان)، وكأنه ينعى بها نفسه:
خلّصوا ربعك يمهدي وبعد شمتاني؟
أجبال اتهدموا واحد وره الثاني
هيچ احسن تظل كل يوم موته تموت
والمثلك حرام أيموت مجاني
يشجرة هيل وأطيور الوكت غربان
ما ظل غصن يزهي بشجر بستاني
فر دولابها وغيرّت كثره أوجوه
وتعيش أبهاذ مو وکتك يسوداني
فضّها وهیّه رفسة موت غمضة عين
المن ظال وحدك تشكي وأتعاني؟
عمر تفگة جبان ولا هو عمر اشعيب
يكفيني أصبحت جناز صحباني
بقت بس ذكريات وكلها تبچي أوياي
أسولفهن عليمن وأنفض أحزاني؟
خفت وستاحشت من زمن يرعد خوف
ما ينفرز بِيِه المجني والجاني
يا عمري أشبعد وأمچلّب أبدنیاك؟
تعتگ وآرجعت سجاد کاشاني
أنهجم عمرك شطوله يربو ثلث أجيال
وأسنينك يتامى ونخل غيباني