اخر الاخبار

يتواصل اتساع ظاهرة البطالة المقنّعة في العراق مع استمرار تضخم الجهاز الحكومي وتزايد أعداد الموظفين والمتقاعدين، في وقت لا تزال فيه قدرة الاقتصاد محدودة على خلق فرص عمل منتجة. وبينما تحولت الوظيفة الحكومية على مدى سنوات إلى الملاذ الأبرز للخريجين والعاطلين عن العمل، أصبحت التعيينات في كثير من الأحيان أداة لامتصاص البطالة وكسب الرضا الشعبي، من دون أن يرافقها توسع مماثل في الإنتاج أو تطوير حقيقي لأداء المؤسسات.

ولا تقف تداعيات هذه الظاهرة عند حدود ضعف الإنتاجية، بل تمتد إلى الموازنة العامة التي تستهلك الرواتب والأجور والتقاعد والدعم والخدمات جانباً كبيراً من نفقاتها، ما يضيّق المساحة المتاحة أمام الاستثمار والتنمية وخلق فرص العمل المستدامة. ومع استمرار اعتماد الدولة على الإيرادات النفطية لتمويل نفقاتها، تصبح الزيادة المتواصلة في أعداد العاملين في القطاع العام عبئاً مالياً طويل الأمد يصعب التراجع عنه.

معدلات العمل الفعلي للموظف

يقول الخبير الاقتصادي دريد العنزي، أن توسع التعيينات الحكومية لأغراض سياسية وانتخابية، إلى جانب ضعف الإدارة والرقابة، أنتج جهازا وظيفيا مترهلا، يستنزف المال العام، ويحرم قطاعات واسعة من المواطنين من فرص العمل الحقيقية.

ويضيف العنزي لـ"طريق الشعب"، أن هناك اعدادا كبيرة من الموظفين، لا يؤدون عملا فعليا، فضلاً عن ظاهرة ما يعرف بالفضائيين، الذين يتقاضون رواتب من دون وجود فعلي في مواقع العمل.

ويعتقد أن هذه المشكلة لا تقتصر على مؤسسة أو وزارة محددة، وإنما تمتد إلى مختلف القطاعات الحكومية، بما فيها المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية، مؤكداً أن الرواتب التي تصرف لهذه الفئات تمثل استنزافاً للموارد العامة، فضلاً عن كونها تأتي على حساب حقوق وفرص مواطنين آخرين.

ويشير إلى أن هناك تقارير دولية تحدثت عن انخفاض معدلات العمل الفعلي للموظف العراقي، مع التأكيد على أن هذا الوصف لا ينطبق على جميع الموظفين، إذ توجد شريحة كبيرة من العاملين الذين يؤدون واجباتهم بصورة جدية، بل إن بعضهم يواصل إنجاز أعماله خارج ساعات الدوام ومن المنزل، إلا أن المشكلة تكمن في المعدل العام، وفي تضخم أعداد العاملين مقارنة بحجم العمل الفعلي.

ويجد العنزي أن التعيينات اتخذت طابعا انتخابيا أو سياسيا خلال السنوات الماضية: الكثير من الحكومات المتعاقبة لجأت إلى زيادة أعداد الموظفين، بهدف كسب التأييد الشعبي، من دون وضع استراتيجية اقتصادية تستوعب هذه الأعداد، أو توفر وظائف منتجة ومستدامة.

ويؤكد أن هذه السياسة لم تؤد إلى حل مشكلة البطالة، بل نقلتها إلى داخل مؤسسات الدولة، وحولت جزءا كبيرا من الموازنة إلى رواتب وأجور، من دون أن يقابلها إنتاج اقتصادي حقيقي.

وبشأن ظاهرة الحمايات والمرافقين، يدعو العنزي إلى إعادة النظر في الأعداد الكبيرة التي ترافق بعض المسؤولين والبرلمانيين، متسائلا عن حجم القوة البشرية التي تخصص لهذه المهام، وما إذا كانت جميع تلك العناصر تؤدي واجبات أمنية فعلية أم أنها أصبحت جزءاً من البطالة المقنّعة.

ويحذر من أن استمرار سياسة منح الرواتب من دون مقابل إنتاجي حقيقي، سيؤدي لتفاقم المشكلة، خصوصاً إذا تم تثبيت موظفين جدد لسنوات طويلة من دون حاجة فعلية إليهم، معتبراً ذلك يمثل معالجة مؤقتة لمشكلة سياسية وليس حلا اقتصاديا.

جرد شامل لموظفي الدولة

ويقترح العنزي إجراء جرد شامل لموظفي الدولة، مدنيين وعسكريين، باستخدام الأنظمة الإلكترونية والبصمة، وربط بيانات الموظف بالراتب والهوية الوظيفية والتقاعدية، بهدف كشف حالات ازدواج الرواتب والموظفين غير الموجودين فعلياً في مواقع العمل.

ويعتقد أن التحول الإلكتروني يمكن أن يكشف الخلل بصورة فورية، خصوصا عند وجود أكثر من بصمة أو أكثر من سجل مالي للشخص نفسه، مشدداً على ضرورة ربط قواعد بيانات الوزارات والدوائر والمؤسسات الحكومية لمنع تكرار الرواتب أو ازدواج التوظيف.

كما يجد أن هناك ضرورة لتدقيق ملفات المتقاعدين والمستفيدين من الرواتب الحكومية، والتحقق من بيانات الجنسية والإقامة والهوية والوظيفة، بهدف منع استغلال الثغرات الإدارية.

ويقترح العنزي إجراء تقييم دوري لأداء الموظف، بحيث يقدم الموظف ما يثبت الأعمال التي أنجزها، وتخضع النتائج إلى تقييم إداري حقيقي، بدل من استمرار صرف الراتب بصورة الية، بصرف النظر عن مستوى الإنتاجية.

ويشدد على أهمية إعادة توزيع القوى العاملة بدلا من إبقائها في دوائر متخمة بالموظفين، مشيرا إلى ان بعض العاملين يمكن نقلهم لقطاعات أخرى، تحتاج إلى ايد عاملة.

ويرهن العنزي تكريس مشكلة البطالة المقنعة بسوء الإدارة والفساد والرشوة، مؤكداً أن المعالجة تتطلب قرارات حاسمة وإصلاحا إداريا واسعا، وليس مجرد إجراءات جزئية أو وعود مؤقتة.

متى يعالج ملف للخريجين؟

من جهته، اكد الباحث في الشأن الاقتصادي عبد السلام حسن حسين، أن معالجة هذه الأزمة لا تحتاج بالضرورة إلى مزيد من الاقتراض والديون، بقدر ما تحتاج إلى تفعيل موارد الدولة وضبط عمل الدوائر الحكومية ومتابعة الرسوم والغرامات المستحقة.

وقال حسين لـ"طريق الشعب"، ان الأسئلة المرتبطة بالبطالة والبطالة المقنعة ومستقبل الخريجين لا تحظى، برأيه، بالاستجابة المطلوبة على المستويات العليا، رغم ارتباطها المباشر بحياة المواطنين، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يقود إلى مزيد من الديون والاقتراض.

ولاحظ حسين أن هناك غيابا واضحا لمعالجة ملف الخريجين، ولا سيما خريجي الطب والهندسة والاختصاصات الأخرى، متسائلاً عن جدوى استمرار الجامعات والكليات الأهلية في تخريج أعداد كبيرة من الطلبة، من دون توفير فرص عمل تتناسب مع اختصاصاتهم.

وركز حسين على ملف الإيرادات الحكومية والرسوم، مؤكداً أن هناك فجوة كبيرة بين الأموال التي يفترض تحصيلها من قبل الدولة، وبين ما يتم تحصيله فعليا.

وأوضح أنه بحكم عمله في مجال العقارات ومراجعته المستمرة لدوائر الدولة يلمس يوميا حجم المشكلة، مشيرا الى أن بعض الدوائر يمكن أن تحقق إيرادات اكبر بكثير مما تجبيه حاليا.

وأضاف أن هذه الفجوة يمكن أن تتحول إلى مورد مالي كبير يسهم في تمويل الخزينة ومعالجة جزء من أزمة البطالة والخدمات، بدلاً من اللجوء المستمر إلى الاقتراض.

وأكد أن ضبط الإيرادات والرسوم وتفعيل أجهزة الدولة الرقابية يمكن أن يوفر موارد كافية لدعم الخدمات وتمويل برامج التوظيف.

أداة لكسب الرضا الشعبي

أما د. نوار السعدي، استاذ الاقتصاد الدولي، فقد انتقد استمرار اعتماد العراق على التوظيف الحكومي بوصفه الحل الأسهل لمعالجة البطالة، مؤكدا ان البطالة المقنعة أصبحت واحدة من أبرز مظاهر الاختلال في بنية الاقتصاد، ولا سيما في القطاع الحكومي الذي يعاني من تخمة في أعداد الموظفين مقابل ضعف في الإنتاجية.

وقال السعدي لـ"طريق الشعب"، إن استمرار الحكومة العراقية في إطلاق درجات وظيفية جديدة يمثل امتدادا لنهج اقتصادي غير مستدام، يقوم على امتصاص البطالة الظاهرة عبر توسيع الجهاز الإداري، من دون ان تكون هناك حاجة فعلية الى جميع هذه الأعداد أو خطط واضحة للاستفادة من قدراتهم في تحسين أداء المؤسسات الحكومية.

وأضاف أن ما يشهده العراق اليوم هو نتيجة تراكم لسنوات طويلة من الاعتماد على الدولة باعتبارها المصدر شبه الوحيد للتوظيف، في ظل غياب دور فاعل للقطاع الخاص وافتقار البيئة الاستثمارية إلى القدرة على خلق فرص عمل حقيقية ومنتجة.

وأوضح السعدي أن الوظيفة الحكومية بات ينظر إليها في جزء من الثقافة العامة على أنها ضمان اجتماعي أكثر من كونها وظيفة ترتبط بمهام ومسؤوليات وإنتاجية، الأمر الذي أفرز أعداداً كبيرة من الموظفين الذين لا يضيفون، في بعض الحالات، قيمة حقيقية إلى المؤسسات التي يعملون فيها، مقابل أعباء متزايدة على الموازنة العامة، نتيجة الرواتب والمخصصات.

وخلص الى ان أسباب هذه الظاهرة متعددة وتتداخل فيها عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية، مشيراً إلى ان التعيينات الحكومية غالبا ما تستخدم كأداة لكسب الرضا الشعبي أو كمكافأة لأحزاب أو جماعات بعيدا عن معايير الكفاءة والحاجة الفعلية للمؤسسات.

خطة حكومية لتقليل "هشاشة الاقتصاد"

وقبل يومين، أكد مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، أن العراق يعمل على تقليل هشاشة اقتصاده المرتبطة بتقلبات أسعار النفط، عبر حزمة من الإجراءات التي تستهدف زيادة الإيرادات غير النفطية، وإصلاح القطاعين المالي والمصرفي، ودعم القطاع الخاص، واستثمار الغاز والطاقة، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.

وقال صالح، إن استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على النفط يجعل الإيرادات العامة والموازنة عرضة للتأثر المباشر بتقلبات أسعار النفط والإنتاج، خصوصاً مع ارتفاع الإنفاق الجاري وكلفة الرواتب والتقاعد والدعم والخدمات، مؤكداً أن تنويع مصادر الدخل أصبح من أكثر الملفات إلحاحاً لضمان الاستقرار المالي والاقتصادي.

وأوضح أن الحكومة تعمل على تعزيز الإيرادات غير النفطية من خلال تطوير الإدارة الضريبية والجمركية، ومكافحة التهرب، وتحسين أنظمة التحصيل، والتوسع في استخدام الدفع الإلكتروني، مشيراً إلى أن هذه الإيرادات ما زالت محدودة مقارنة بالعائدات النفطية، ما يجعل الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد متنوع عملية تدريجية تتطلب إصلاحات مستمرة.

ويخصوص ملف التوظيف الحكومي، قال صالح انه يمثل أحد أبرز التحديات أمام المالية العامة، بعدما أصبح الإنفاق الحكومي قناة رئيسة لتحويل العائدات النفطية إلى دخول مباشرة للأسر، مبيناً أن استمرار التوسع في هذا المسار يحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الاستثمار والخدمات، ويعزز اعتماد الاقتصاد على الإنفاق الحكومي.

وأكد أن التحدي لا يتمثل في امتلاك الخطط والاستراتيجيات الاقتصادية فحسب، وإنما في القدرة على تنفيذها بصورة مستمرة وتحويلها إلى إصلاحات مؤسسية قابلة للقياس، بما يؤدي إلى تغيير تدريجي في بنية الاقتصاد ومصادر الدخل.

وبحسب صالح فإن العراق يحتاج إلى نموذج اقتصادي يجعل النفط مورداً مهماً لتمويل التنمية، وليس المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة، مبيناً أن صندوق العراق للطاقة والتنمية يمثل استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحويل الأصول النفطية إلى أصول رأسمالية منتجة.