تتزايد الضغوط النفسية والاجتماعية في العراق، فيما لا تزال خدمات الصحة النفسية محدودة مقارنة بحجم الحاجة إليها، خاصة مع نقص الكوادر المتخصصة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تسبب تصاعدا في الأزمة، لتبقى الأسئلة الأهم ما أسباب هذا الارتفاع؟ وهل تكفي الجهود الحالية للحد من الظاهرة؟
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني نحو واحد من كل أربعة عراقيين من هشاشة نفسية، في وقت لا يتجاوز فيه عدد الأطباء النفسيين ثلاثة أطباء لكل مليون نسمة، فيما لا تتجاوز حصة الصحة النفسية 2 في المائة من الإنفاق الصحي.
وتشير بيانات وزارة الداخلية إلى تسجيل 617 حالة انتحار خلال النصف الأول من العام الحالي، بعد تسجيل 1,073 حالة عام 2022 وتجاوزها 1,500 حالة عام 2024، وسط مؤشرات على استمرار التصاعد.
وتتصدر ذي قار المحافظات في تسجيل الحالات، تليها بغداد والبصرة ونينوى، ما يسلط الضوء على الحاجة إلى تعزيز خدمات الصحة النفسية وزيادة أعداد الكوادر المتخصصة.
نقص الكوادر المتخصصة
تقول إيناس هادي، أخصائية نفسية، إن ارتفاع حالات الانتحار لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل يرتبط بتداخل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأسرية، مبينة أن الضغوط المتراكمة، إلى جانب ضعف الوعي بالصحة النفسية وتأخر طلب المساعدة، قد تجعل بعض الحالات تصل إلى مراحل أكثر خطورة.
وأشارت هادي في تعليق لـ"طريق الشعب"، الى أن نقص الكوادر المتخصصة في مجال الصحة النفسية يمثل أحد التحديات المهمة، خصوصاً مع الحاجة المتزايدة إلى خدمات التشخيص والعلاج والدعم النفسي، موضحة أن محدودية الوصول إلى المختصين قد تؤدي إلى تأخر التدخل في بعض الحالات التي تحتاج إلى متابعة مهنية.
وأضافت أن هناك أيضا مشكلة مرتبطة بـالمفاهيم الخاطئة حول العلاج النفسي، إذ لا يزال بعض الأشخاص ينظرون إلى مراجعة المختص النفسي باعتبارها دليلا على وجود مرض أو ضعف، بينما العلاج النفسي هو وسيلة للمساعدة على التعامل مع الأزمات والاضطرابات والمشكلات النفسية المختلفة، ويمكن أن يكون التدخل المبكر عاملاً مهماً في منع تفاقم الحالة.
وبينت هادي أن من الضروري التفريق بين الطبيب النفسي والمعالج أو الأخصائي النفسي؛ فالأول طبيب حاصل على شهادة الطب وتخصص في الطب النفسي، ويستطيع تشخيص الاضطرابات النفسية ووصف الأدوية عند الحاجة، بينما يركز الثاني على التقييم والدعم والعلاج النفسي من خلال أساليب علاجية متخصصة، بحسب مؤهلاته واختصاصه.
وأكدت أن اختيار نوع المساعدة يعتمد على طبيعة الحالة، وقد يحتاج بعض الأشخاص إلى علاج نفسي، بينما تحتاج حالات أخرى إلى تقييم طبي نفسي، وقد يستفيد بعض المرضى من الجمع بين العلاج الدوائي والنفسي.
وشددت هادي على أن مواجهة ارتفاع حالات الانتحار تتطلب زيادة أعداد الكوادر المتخصصة، وتوسيع خدمات الصحة النفسية، وتسهيل الوصول إليها ونشر الوعي بأن طلب المساعدة ليس وصمة أو ضعفا، بل خطوة أساسية نحو العلاج والوقاية.
تعزيز الوعي بالصحة النفسية
من جانبها، أكدت الباحثة الاجتماعية بلقيس الزاملي أن البطالة والفقر والضغوط المعيشية يمكن أن تسهم في زيادة المشكلات النفسية والاجتماعية لدى الأفراد، ولا سيما فئة الشباب، مبينة أن "الضغوط الاقتصادية قد تضع الفرد أمام حالة من القلق المستمر والشعور بعدم الاستقرار، خصوصاً عندما تترافق مع غياب فرص العمل وضعف القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية".
وقالت الزاملي لـ"طريق الشعب"، إن "فقدان الأمان الاقتصادي والشعور بانسداد الأفق أمام المستقبل قد يكونان من العوامل التي تزيد هشاشة بعض الأفراد أمام الأزمات النفسية"، لكنها شددت على أن التعامل مع ظاهرة الانتحار يتطلب عدم اختزالها في العامل الاقتصادي وحده، كونها ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية وأسرية واجتماعية واقتصادية.
وأضافت أن الأسرة والمحيط الاجتماعي يؤديان دورا مهما في التعامل مع الأفراد الذين يواجهون ضغوطا متراكمة، موضحة أن العزلة الاجتماعية وضعف الدعم الأسري والشعور بعدم الانتماء أو فقدان الأمل قد تزيد من صعوبة تجاوز الأزمات خصوصا عندما تتزامن مع ظروف اقتصادية صعبة.
وأشارت الزاملي إلى أن الوقاية من الانتحار تحتاج إلى منظومة متكاملة من الاجراءات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، تبدأ بتعزيز الوعي بالصحة النفسية، وتوفير الدعم والإرشاد للفئات الأكثر عرضة للضغوط إلى جانب دعم الأسرة والمجتمع المحلي، وخلق بيئة توفر للشباب فرصاً حقيقية للتعليم والعمل والاستقرار.
وشددت على أن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على التعامل مع نتائجها بل يجب أن تتجه أيضاً إلى معالجة الظروف التي قد تزيد من الضغوط على الأفراد، مؤكدة أن تعزيز فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية وتقوية شبكات الدعم الاجتماعي يمكن أن تسهم في بناء مجتمع أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات.
الأمان الاقتصادي
أما أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، فيعتقد ان ظاهرة الانتحار لا يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة نفسية او اجتماعية فقط، مشيراً إلى أن الظروف الاقتصادية قد تسهم في زيادة الضغوط التي يتعرض لها الأفراد، خصوصاً في ظل البطالة وتراجع الدخول وتراكم الديون وارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان الاستقرار الاقتصادي.
ويقول السعدي لـ"طريق الشعب"، إنّ "الدراسات الاقتصادية والصحية الحديثة تشير إلى وجود علاقة بين البطالة والضائقة المالية وعدم اليقين الاقتصادي وبين ارتفاع مخاطر الانتحار"، مؤكداً أن العامل الاقتصادي "ليس سببا مباشرا أو وحيداً"، وأن الظاهرة متعددة الأسباب وتتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وأسرية وصحية.
ويضيف أن أهمية هذه القضية تبرز في العراق بصورة خاصة في ظل ارتفاع نسبة الشباب والتحديات التي يواجهها سوق العمل، مبيناً أن معالجة المشكلة من الجانب الاقتصادي تتطلب سياسات تركز على خلق فرص عمل حقيقية، ودعم القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة وريادة الأعمال وتحسين الوصول إلى التمويل، فضلاً عن تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية.
وأشار إلى أن السياسة الاقتصادية ينبغي ألا تقاس فقط بمعدلات النمو والناتج المحلي، وانما كذلك بمدى قدرتها على توفير الأمان الاقتصادي وتعزيز الثقة بالمستقبل.
واختتم حديثه بأن "خلق فرص العمل والدخل المستقر لا يمثلان هدفا اقتصاديا فقط بل هما جزء من منظومة الاستقرار الاجتماعي والنفسي للمجتمع"، داعيا إلى النظر إلى الأمان الاقتصادي باعتباره أحد المكونات الأساسية للاستقرار المجتمعي.