أفادت مصادر سياسية عراقية لـ"العربي الجديد"، بأن رئيس الوزراء علي الزيدي وجه بدراسة الأوضاع الأمنية واللوجستية لمنطقة جرف الصخر المفرغة من سكانها منذ نحو 12 عاماً وتسيطر عليها فصائل ومليشيات موالية لإيران، مع إيجاد آليات لانتشار القوات الأمنية النظامية في محيطها وعلى مداخلها، قبيل الشروع بعملية استرجاعها التي قد تتزامن مع انتهاء المهلة الممنوحة للفصائل العراقية لتسليم سلاحها في نهاية سبتمبر/أيلول المقبل. كما وجه الزيدي، وفقا للمصادر، بفتح المنطقة والسماح لسكانها بالعودة وإنهاء ملف نزوحهم، وبدء عمل مؤسسات الدولة فيها وصولاً إلى فرض سيطرة الدولة عليها بالكامل. وقالت المصادر لـ"العربي الجديد" إن "الحكومة لا تفكر باقتحام المنطقة بل استرجاعها بالتفاهمات والضغط على الفصائل تدريجياً".
وعاد ملف "جرف الصخر"، البلدة التي تقع شمالي محافظة بابل، على بُعد نحو 60 كيلومتراً إلى الجنوب من بغداد، إلى الواجهة خلال الأسبوعين الماضيين، وتحديداً بعد تعليقات شيخ عشيرة الجنابيين في محافظة بابل عدنان الجنابي، الذي وصف المنطقة بأنها لا تزال "محتلة". وأكد الجنابي في مؤتمر صحافي عقده في محافظة بابل أن "أهالي جرف الصخر يعدّون يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول عام 2014 يوم احتلال للمنطقة، وليس يوم تحرير لها".
وأشار الجنابي في مؤتمر جمعه مع وجهاء من العشيرة نفسها إلى أن "المليشيات أصرت حينها على تولي الملف الأمني، رغم الاتفاق مع القيادات العسكرية والأمنية على تسلّمه، وأن الأهالي يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن التهجير القسري وجرائم الخطف والتعذيب والتغييب والتصفيات الجسدية. وأن سكان المنطقة لا يزالون غير قادرين على الوصول إلى أراضيهم"، نافياً أن "تكون أراضي جرف الصخر عقوداً زراعية، لأنها مملوكة لأصحابها". وأضاف أنها تعرضت للسرقة والنهب، بما في ذلك آبار المياه، وطالب بـ"إعادة الحقوق إلى أصحابها". وعلى خلفية التعليق أعلن مجلس محافظة بابل وديوان المحافظة، إقامة دعوى قضائية ضد الجنابي.
ولاقت تصريحات الجنابي تأييداً كبيراً خصوصاً من القوى المجتمعية والنازحين من عشيرة الجنابيين في مناطق متفرقة من البلاد، الذين يطالبون منذ 12 عاماً بالعودة إلى أراضيهم ومنازلهم، إلا أن أعضاء من الحكومة المحلية في محافظة بابل وأغلبيتهم من الأحزاب التي تمتلك أجنحة مسلحة، يساهمون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في السيطرة على البلدة.
الدعوى القضائية تذرعت بأن تعليقات الجنابي تضمنت إساءة إلى المجلس وعرض وقائع غير صحيحة من شأنها إثارة الفتنة وتأليب الرأي العام. كما ذكرت الشكوى أن تصريحات الجنابي تضمنت وصف عمليات التحرير بـ"الاحتلال"، ووصف ما سمّته الوثيقة بـ"المقاومة" في دحر الإرهاب بـ"الإعدامات"، معتبرة أن تلك التصريحات "مسيئة إلى المجلس".
وقالت المصادر السياسية العراقية لـ"العربي الجديد"، إن "التوجه الحكومي يتضمن الإخلاء التدريجي لبعض مقرات الفصائل المسلحة سواء التابعة للحشد الشعبي، أو تلك المتسترة بالحشد الشعبي، المنتشرة في جرف الصخر، واستبدالها تدريجياً بقوات الأمن الحكومية من الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب والأمن الوطني والمخابرات، بالإضافة إلى بعض الألوية المنضبطة من الحشد الشعبي"، مؤكدة أن "الزيدي يريد استغلال المهلة المطروحة أمام الفصائل لتسليم سلاحها (تنتهي في 30 سبتمبر) من أجل إنهاء الملفات العالقة، وضمنها النزوح". وأضافت "بما أن جرف الصخر تعد من أكثر المناطق حساسية، حيث تتداخل فيها القرارات الأمنية والسياسية بالوضع الإنساني، فإن الزيدي يولي اهتماماً كبيراً، وهذا الأمر غير مرتبط بمطالب بعض القوى السياسية إنما هو قرار حكومي يبدو أنه أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى".
وأُغلقت بلدة جرف الصخر، التي تزيد مساحتها على 50 كيلومتراً مربعاً، قبل 12 عاماً بقرار من فصائل مسلحة حليفة لإيران. وتُعتبر البلدة معقل عشيرة الجنابيين العربية في العراق، إلى جانب عشائر أخرى، وما زال سكانها، البالغ عددهم نحو 180 ألف نسمة، مهجّرين في مخيمات ومعسكرات نزوح. وعلى الرغم من وعود متكررة لحكومات حيدر العبادي، وعادل عبد المهدي، ومصطفى الكاظمي، ومحمد شياع السوداني بإعادتهم، فإن أياً منها لم يتحقق.
والبلدة معزولة تماماً عن الحالة العراقية، ولا يمكن الدخول إليها حتى من قبل المسؤولين في الحكومة والجيش، بسبب السيطرة عليها من قبل مليشيات عراقية مدعومة إيرانياً. وكان الزيدي قد أعلن خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منتصف يوليو/تموز الماضي، أن لديه خطة لإعادة العراقيين إلى منازلهم المدمرة، في إشارة إلى ملف النزوح والمناطق التي لم يتمكن سكانها من العودة إليها، إلا أن التحدي يكمن في أن ملف النزوح مرتبط بالسلاح بيد الفصائل التي تسيطر على المناطق المفرغة من سكانها، بحسب عضو في المجلس السياسي الوطني السني (أكبر التحالفات السياسية السنية في البلاد)، قال إن "الزيدي مطالب خلال الفترة القصيرة المقبلة باستعادة سلطة الدولة على المناطق الخارجة عن سيطرتها الكاملة، بعد نزع سلاح أو طرد الفصائل التي تسيطر على المناطق منزوعة السكان ومن بينها جرف الصخر".
وأضاف المسؤول في حديث لـ"العربي الجديد"، مفضلا عدم ذكر اسمه، أن "الزيدي أمام تحد كبير، وعليه أن يعيد للدولة هيبتها تجاه العصابات والجماعات المنفلتة"، مضيفا أن "ما يُشجع الزيدي هو أن الفصائل باتت ضعيفة بشكلٍ كبير، وإذا اتجه نحو إنهاء وجودها في جرف الصخر، فإن إيران لن تتدخل لأن الأخيرة منشغلة بوضعها الداخلي، ولم تعد تستطيع فرض إرادتها على الحكومة العراقية، كما أن المجتمع المحلي سيكون داعماً لأي حركة يقدم عليها الزيدي، تنهي المليشيات ودورها السيئ في البلاد".