اخر الاخبار

تتواصل أزمة السكن بوصفها واحدة من أكثر التحديات الاجتماعية والاقتصادية تعقيداً، في ظل اتساع الفجوة بين الطلب المتزايد على الوحدات السكنية والقدرة الفعلية للسوق على توفير مساكن ملائمة وبأسعار تتناسب مع دخول المواطنين. ورغم إطلاق مشاريع سكنية كبيرة خلال السنوات الماضية والإعلان عن مدن ومجمعات جديدة، ما تزال آلاف الأسر تواجه صعوبات متزايدة في الحصول على سكن مناسب، فيما تتوسع مناطق العشوائيات وتتصاعد أسعار الأراضي والعقارات بصورة تفوق القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة.

إيقاف فوري للإجازات الاستثمارية

وأصدر رئيس مجلس الوزراء، اخيرا، قراراً عاجلاً يقضي بالإيقاف الفوري لمنح الإجازات الاستثمارية للمجمعات السكنية وأراضي المطور العقاري التي تزال قيد الإجراءات المعاملاتية ولحين إشعار آخر.

 وجاء هذا التوجيه عبر وثيقة رسمية عممتها الهيئة الوطنية للاستثمار على جميع فروعها في المحافظات، محذرة من المخالفة القانونية، مع إلزامها بتقديم جرد شامل وسريع لكل الفرص الحالية لعرضها أمام رئاسة الوزراء.

ويهدف هذا التحرك الحكومي إلى مراجعة وتدقيق المشاريع للحد من الارتفاع الفلكي لأسعار الوحدات السكنية التي باتت تفوق قدرة ذوي الدخل المحدود، بالتزامن مع توجه الدولة لتبني مبادرات بديلة توفر سكناً ميسراً مثل مبادرة "مليون قطعة أرض سكنية" مجانية للمواطنين.

ويشير مراقبون إلى أن غياب التخطيط المتوازن وضعف أدوات التمويل العقاري وتراجع التنمية في المحافظات كلها عوامل ساهمت في تحويل أزمة السكن إلى ملف معقد يتجاوز حدود السوق العقارية، ليعكس اختلالات أوسع في الاقتصاد والتنمية الحضرية.

ضغط سكاني متزايد

يقول أستاذ في الاقتصاد الدولي، نوار السعدي أن تركز النشاط الاقتصادي والخدمات الحكومية والاستثمارية في بغداد خلق ضغطاً سكانياً متزايداً انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأراضي والوحدات السكنية.

ويؤكد أن الهجرة الداخلية المستمرة من المحافظات نحو العاصمة، في ظل ضعف التنمية المتوازنة، جعلت السوق العقارية تواجه طلباً يفوق قدرتها على تلبية الاحتياجات الفعلية للمواطنين.

وعلى الرغم من ظهور العديد من المجمعات السكنية الحديثة التي غيرت ملامح بعض مناطق العاصمة، فإن هذه المشاريع، بحسب رأيه، لم تقدم حلاً حقيقياً للأزمة. فمعظمها يستهدف أصحاب الدخول المرتفعة، وتطرح وحداتها بأسعار تتجاوز القدرة الشرائية لغالبية الأسر العراقية، الأمر الذي جعلها تزيد حجم المعروض من الناحية الشكلية دون أن تستجيب للطلب الحقيقي الذي تمثله الطبقة المتوسطة ومحدودو الدخل.

ويضيف  السعدي لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة لا ترتبط بقلة البناء فحسب، وإنما بغياب سياسة إسكانية متكاملة تقوم على دعم الإسكان الميسر وتنظيم سوق الأراضي وتوفير أدوات تمويل عقاري فعالة. فارتفاع أسعار الأراضي، إلى جانب محدودية التمويل وغياب التدخل الحكومي المؤثر في توجيه السوق، يؤدي إلى استمرار ارتفاع الأسعار مهما ازداد عدد المشاريع السكنية.

ويختتم السعدي رؤيته بالتأكيد على أن معالجة الأزمة تتطلب تحولاً في فلسفة التخطيط العمراني، من الاعتماد على البناء التجاري الربحي إلى تبني سياسات إسكان اجتماعي مدعومة تستهدف الشرائح الأوسع من المجتمع. كما يشدد على أهمية توزيع التنمية الاقتصادية والخدمية على المحافظات، بما يخفف الضغط المتزايد على بغداد ويحد من الهجرة الداخلية، محذراً من أن استمرار النهج الحالي سيبقي آلاف الأسر خارج سوق السكن، حتى مع استمرار الإعلان عن مشاريع جديدة

أما الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد، فيعتقد أن توجيه الاستثمارات العقارية نحو مشاريع الإسكان منخفض الكلفة، يمثل أحد أبرز الحلول لمعالجة أزمة السكن والعشوائيات، مشيراً إلى أن التركيز على المجمعات السكنية الفارهة لا يتناسب مع الإمكانات المالية لشريحة واسعة من المواطنين، ولا يلبي احتياجات أصحاب الدخل المحدود.

ويقول عيد لـ"طريق الشعب"، إن تشجيع القطاع الخاص على إنشاء وحدات سكنية ميسرة، مدعومة بحوافز حكومية وتسهيلات تمويلية، من شأنه أن يوفر بدائل سكنية حقيقية لسكان العشوائيات، ويسهم في الحد من التوسع العمراني غير المنظم الذي يشهده عدد من المدن العراقية.

ويشير إلى أن ملف العشوائيات لا ينبغي التعامل معه بوصفه أزمة خدمية أو عمرانية فحسب، بل يمكن تحويله إلى فرصة تنموية من خلال إدماج هذه المناطق في خطط التطوير الحضري وإعادة التأهيل، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على قطاع الإنشاءات والصناعات المرتبطة به، ويوفر فرص عمل جديدة، إلى جانب تحسين البنية التحتية والخدمات وتعزيز النشاط الاقتصادي في المدن.

وفيما يحذر من استمرار تجريف الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مناطق سكنية عشوائية، يجد أن هذه الظاهرة تحمل تداعيات اقتصادية وبيئية خطيرة، فضلاً عن أنها تفرض ضغوطاً متزايدة على شبكات الخدمات والبنى التحتية وتؤثر في مسارات التنمية الحضرية المستدامة.

ويشير عيد إلى أن تحقيق التوازن بين توفير السكن للمواطنين والحفاظ على الأراضي الزراعية يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه التخطيط العمراني والاقتصادي في العراق، داعياً إلى تبني سياسات إسكانية وتنموية متكاملة تضمن تلبية الطلب على السكن دون المساس بالموارد الزراعية أو إرباك خطط التنمية المستقبلية.

حلول جزئية

من جهته، ذكر الباحث الاقتصادي عبدالله نجم أن أزمة السكن في العراق لم تعد تُدار عبر حلول جزئية، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تعالج جذور المشكلة لا مظاهرها، مبيناً أن السياسات الحالية، رغم أهميتها، ما تزال تركز على إدارة الأزمة أكثر من معالجتها بشكل بنيوي.

وقال نجم لـ"طريق الشعب"، أن مشاريع التخطيط والمدن الجديدة وتقنين التجاوزات تمثل خطوات ضرورية، لكنها غير كافية ما لم تُربط بسياسة إسكان واضحة تستهدف الشرائح الفقيرة والمتوسطة، إلى جانب إصلاح سوق الأراضي وتطوير منظومة التمويل العقاري، مؤكداً أن غياب التكامل بين هذه الأدوات يحد من فعاليتها في خفض حدة الأزمة. وفيما يتعلق بنموذج المطور العقاري والمدن الجديدة، أشار عيد إلى أن نجاحه يعتمد على طبيعة تطبيقه وليس على فكرته، مبيناً أنه في حال استمرار توجيه المشاريع نحو الفئات ذات الدخل المرتفع فقط، فإنها لن تسهم في معالجة العجز السكني، بل ستكرّس التفاوت الاجتماعي. وأضاف أن إدخال عناصر الإسكان الميسر وتوفير قروض وتمويلات مدعومة يمكن أن يحول هذا النموذج إلى أداة فعالة لتوسيع التملك السكني.

كما أكد أن أزمة السكن في العراق لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل ضعف التخطيط الحضري مع قصور تطبيق القانون وغياب التمويل العقاري الفعال، إلا أنه اعتبر أن العامل الأكثر تأثيراً يتمثل في ضعف أدوات التمويل، لكونها تحد من قدرة المواطنين على دخول السوق النظامية وتدفع جزءاً كبيراً منهم نحو العشوائيات والتوسع غير المنظم.