اخر الاخبار

لم تعد تظاهرات الفلاحين مجرد احتجاجات مطلبية عابرة تتعلق بتأخر مستحقات مالية أو تعترض على تسعيرة محصول الحنطة، بل تحولت خلال الأيام الماضية إلى مؤشر واضح على أزمة عميقة تضرب السياسة الزراعية في العراق، وسط تصاعد الغضب الشعبي في الأرياف، واتساع الفجوة بين الحكومة والعاملين في القطاع الزراعي الذي طالما وُصف بأنه أحد أعمدة الأمن الغذائي في البلاد.

ففي ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، تظاهر المئات من الفلاحين القادمين من محافظات الوسط والجنوب، رافعين شعارات تطالب بإنصافهم مالياً، وإعادة النظر في السياسات الزراعية والتسويقية التي يقولون إنها دفعت آلاف المزارعين إلى حافة الانهيار الاقتصادي.

ومع تصاعد حدة الاحتجاجات، أغلق المتظاهرون جسر الجمهورية المؤدي إلى محيط المنطقة الخضراء، في رسالة ضغط واضحة على الحكومة والسلطات التشريعية، مطالبين بإطلاق مستحقاتهم المالية للمواسم السابقة وصرف التعويضات المتأخرة، وسط تحذيرات من خطوات تصعيدية أكبر.

من المطالب المالية إلى أزمة ثقة شاملة

الاحتجاجات الحالية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت بعد سنوات من تراكم الأزمات التي يواجهها الفلاح العراقي، بدءاً من شح المياه وارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية، وصولاً إلى سياسات التسويق الحكومية التي يعتبرها الفلاحون غير عادلة ولا تنسجم مع كلف الإنتاج الحقيقية.

وكان المئات من الفلاحين قد تظاهروا الأسبوع الماضي أيضاً في ساحة التحرير، قبل أن تقوم قوات حفظ النظام بتفريقهم بقسوة مستخدمةً خراطيم المياه، في حادثة أثارت موجة انتقادات سياسية وشعبية واسعة، خصوصاً بعد تداول مشاهد مصورة لاعتداءات قامت بها القوات الأمنية ضد المتظاهرين.

وطالب الفلاحون حينها باعتذار رسمي من رئيس حكومة تصريف الأعمال ومن وزير الداخلية، ومحاسبة الضباط والمنتسبين المسؤولين عن “الاعتداء” عليهم، معتبرين أن ما جرى يعكس استمرار سياسة التعامل الأمني مع الاحتجاجات بدلاً من معالجة أسبابها الحقيقية.

تسعة مطالب وملف الحنطة في الصدارة

ورفع المحتجون تسعة مطالب وصفوها بـ”المشروعة”، ركزت بمجملها على إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والفلاح، في ظل ما يرونه “تراجعاً خطيراً” في دعم القطاع الزراعي. وكان أبرز هذه المطالب إلغاء تسعيرة محصول الحنطة لعام 2026، والمطالبة برفع سعر الشراء الحكومي بما يحقق العدالة للفلاح ويواكب الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج، إلى جانب الإسراع في دفع مستحقات الفلاحين لعام 2025 وتأمين التخصيصات المالية الخاصة بتسويق المحاصيل للموسم الحالي. كما طالب المحتجون بصرف التعويضات الخاصة بالأضرار الناتجة عن السيول والحوادث الطبيعية، وإلغاء الإجراءات التي وصفوها بالتعسفية في ملف التسويق، فضلاً عن شمول الأراضي المزروعة فعلياً، حتى وإن كانت خارج العقود الرسمية، ضمن الخطط التسويقية الحكومية.

وشملت المطالب أيضاً زيادة الغلة الزراعية بما يتناسب مع ارتفاع التكاليف، وتأجيل القروض الزراعية ورفع الدعاوى المقامة على الفلاحين، إلى جانب إلغاء الحجز الإلكتروني، وصرف تعويضات فيضانات عام 2019، لا سيما لأصحاب البساتين والمزارعين في محافظة ديالى.

أزمة التسعيرة

وتُعد تسعيرة محصول الحنطة النقطة الأكثر حساسية في الأزمة الحالية، إذ يرى الفلاحون أن الأسعار التي حددتها الحكومة لا تغطي حتى الحد الأدنى من كلف الإنتاج، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة والبذور والوقود وأجور النقل.

وفي هذا السياق، قال نائب رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية، عماد البديري، إن الحكومة مطالبة بالإسراع في الاستجابة للمطالب الأساسية للفلاحين، وفي مقدمتها تأجيل القروض الزراعية وصرف المستحقات المتأخرة للمزارعين، خصوصاً أصحاب المحاصيل المسوقة خارج الخطة الزراعية.

وأوضح أن مجلس الوزراء حدد سعر شراء الحنطة خارج الخطة الزراعية بـ500 ألف دينار للطن، مقابل 700 ألف دينار للطن داخل الخطة، معتبراً أن هذه الأسعار “محبطة للفلاح العراقي” ولا تنسجم مع التحولات الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الزراعية.

وأشار البديري إلى أن أسعار الأسمدة تضاعفت بشكل كبير مقارنة بالعام الماضي، موضحاً أن سعر طن سماد اليوريا ارتفع من 650 ألف دينار إلى نحو مليون و200 ألف دينار، فيما بلغ سعر طن سماد الداب مليوناً و750 ألف دينار، الأمر الذي أدى إلى تضخم كلف الإنتاج بشكل غير مسبوق.

ويرى مختصون بالشأن الزراعي أن الفجوة الحالية بين كلفة الإنتاج وسعر التسويق الحكومي قد تدفع عدداً كبيراً من الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة خلال المواسم المقبلة، أو الاتجاه نحو محاصيل أقل كلفة، ما قد يهدد خطط الاكتفاء الذاتي التي تروج لها الحكومة منذ سنوات.

هل ينهار مشروع الاكتفاء الذاتي؟

وعلى مدى السنوات الماضية، قدمت الحكومات المتعاقبة ملف الحنطة بوصفه أحد أبرز “قصص النجاح” في القطاع الزراعي، بعد الإعلان عن تحقيق نسب متقدمة من الاكتفاء الذاتي، غير أن الفلاحين يقولون إن هذا الإنجاز تحقق على حسابهم، من دون توفير حماية حقيقية لهم أو ضمان استدامة العملية الزراعية.

ويؤكد مراقبون أن الأزمة الحالية تكشف هشاشة هذا الاكتفاء، إذ لا يمكن الحفاظ على الإنتاج المحلي في ظل غياب سياسة دعم مستقرة، واستمرار الاعتماد على إجراءات موسمية مرتبطة بالتسعير والتسويق فقط، من دون معالجة البنى التحتية الزراعية أو ملف المياه أو ارتفاع كلف الإنتاج.

كما أن استمرار تأخر صرف المستحقات المالية للفلاحين يضعف قدرتهم على الدخول في مواسم جديدة، ويزيد من اعتمادهم على القروض، التي تحولت بدورها إلى عبء ثقيل مع تراكم الديون والدعاوى القضائية.

احتجاجات مرشحة للتوسع

وحذر نائب رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية من أن الخطوات التصعيدية المقبلة لا تخضع لقرار فردي، بل تُناقش ضمن اللجان التنسيقية للفلاحين في عموم العراق، مؤكداً أن استمرار تجاهل المطالب قد يقود إلى تظاهرات أكبر في بغداد والمحافظات.

وأشار إلى أن النواب تسلموا مطالب المحتجين وطلبوا منح الحكومة مهلة لحين تشكيلها، إلا أن استمرار المماطلة قد يدفع الفلاحين إلى تصعيد أوسع يشمل إغلاق مجالس المحافظات وقطع الطرق الحيوية.

ويبدو أن القلق الحكومي لا يتعلق فقط بطبيعة المطالب، بل أيضاً باتساع القاعدة الاجتماعية للاحتجاجات، إذ يمثل الفلاحون شريحة واسعة تمتد عبر محافظات الجنوب والفرات الأوسط، وهي مناطق تُعد تقليدياً خزّاناً انتخابياً مهماً للقوى السياسية الحاكمة.

الشيوعي العراقي يتضامن مع مطالب الفلاحين

وأثارت طريقة التعامل الأمني مع احتجاجات الفلاحين ردود فعل سياسية غاضبة، كان أبرزها موقف الحزب الشيوعي العراقي، الذي دان الاعتداء على المتظاهرين، معتبراً أن الحكومة تنصلت من وعودها للفلاحين ولجأت إلى استخدام القوة بدلاً من الاستجابة لمطالبهم.

وقال الحزب، في بيان صدر في الثالث من أيار 2026، إن الاعتداء على الفلاحين يكشف “نهجاً لطالما مارسته قوى السلطة في التعامل مع مطالب أبناء الشعب”، مؤكداً تضامنه مع مطالب الفلاحين المتعلقة بإعادة تسعيرة الحنطة إلى 850 ألف دينار للطن، وحماية المنتج المحلي ودعم القطاع الزراعي.

وأضاف البيان أن الإهمال الحكومي وشح المياه وارتفاع أسعار المستلزمات الزراعية أثقلت كاهل الفلاحين خلال المواسم الأخيرة، داعياً إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الفلاح العراقي وضمان حقوقه المشروعة.

ويضع تصاعد الاحتجاجات الحكومة المقبلة أمام اختبار مبكر يتعلق بقدرتها على إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد، فالأزمة لم تعد مالية فقط، بل باتت مرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والسياسي.