اخر الاخبار

في بلد تُستنزف فيه خزينة الدولة تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والخدمية، يتكشف وجهٌ آخر للهدر أكثر خطورة من الفساد التقليدي، يتمثل في تحويل المال العام إلى وقودٍ لماكينات دعائية رقمية تُدار لصناعة الوهم وتوجيه الرأي العام وفق مصالح القوى المتنفذة.

إذ لم تعد بعض المؤسسات والجهات السياسية تكتفي بإدارة السلطة عبر النفوذ الإداري أو الحزبي، وتمددت إلى الفضاء الإلكتروني عبر شراء الأصوات، وتجنيد المؤثرين، وتمويل منصات وصفحات تُسوّق خطاباً موجّهاً، يتراوح بين التلميع السياسي والتحريض الطائفي وتعزيز الانقسام، في مشهد يختزل انحدار الدولة من راعٍ للمصلحة العامة الى ممولٍ لأدوات الانقسام.

أين تذهب أموال العراقيين؟

هذه الممارسات تكشف بحسب معنيون عن بنية أعمق تستثمر أموال العراقيين لإعادة إنتاج السلطة عبر التضليل، وتكريس الانقسام، وإغراق المجتمع بخطابات الكراهية والخوف المتبادل.

الأخطر في هذه القضية أن المال الذي يفترض أن يُنفق على التنمية والخدمات، يُعاد تدويره في حملات رقمية هدفها حماية نفوذ سياسي هش، أو ترميم صورة مؤسسات فقدت ثقة الشارع، أو صناعة خصومات داخلية تبقي الجمهور أسير الاصطفاف والتخندقات.

وحين تتحول مؤسسات يفترض أنها تمثل الدولة إلى أطراف فاعلة وتقود معركة التأثير الطائفي، فإن الأمر لا يعود متعلقاً بحرية التعبير أو التسويق المؤسسي، ويندرج ضمن استخدام ممنهج للمال العام في تقويض مفهوم الدولة نفسه، لإضعاف الهوية الوطنية، عبر استبدالها بهويات فرعية متصارعة، تُدار بخطاب ممول ومبرمج، يبتلع الفضاء العام ويحوّل وسائل التواصل من منصات تواصل إلى ساحات تعبئة وتحريض.

كيف يتم إهدار المال العام؟

في هذا الصدد، وصف الكاتب والصحافي فلاح المشعل تنامي ظاهرة تمويل الصفحات والمنصات الإلكترونية والشخصيات المؤثرة من المال العام بأنها واحدة من أخطر الظواهر السلبية التي تسهم في خلق "حقائق فارغة" داخل الفضاء الرقمي، هدفها الترويج الدعائي لمؤسسات ووزارات وهيئات حكومية بعيداً عن المفهوم المهني للإعلام، مؤكداً أن هذه الممارسات لا تعدو كونها محاولة لـ"تمكيج" صورة المؤسسات والتغطية على إخفاقاتها أو فسادها.

وأوضح المشعل لـ"طريق الشعب"، أن العديد من الجهات الرسمية الامنية منها والمدنية تلجأ الى تخصيص رواتب ومكافآت من الأموال العامة لإدارة حملات ترويجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، غايتها تضليل الرأي العام وإيهامه بوجود منجزات أو تميز مؤسساتي غير حقيقي او الترويج لخطابات معينة، مشيراً إلى أن المؤسسات الأكثر فساداً غالباً ما تعتمد هذا الأسلوب للتغطية على أزماتها الداخلية من خلال الإطراء والمديح المصطنع.

وحذر من خطورة هذه الظاهرة حين تتجاوز حدود الدعاية المؤسسية إلى إثارة الفتن المجتمعية والطائفية والعرقية، عبر خطاب تحريضي قد تستخدمه بعض الجهات السياسية أو الحكومية ضمن صراعاتها، لافتاً إلى أن تبعية بعض الوزارات والأجهزة للأحزاب السياسية يجعل من الإعلام الرقمي ساحة جديدة للصراع الحزبي على حساب الدولة ومفهومها الوطني.

ودعا المشعل إلى مسارين واضحين للمواجهة، الأول رقابي مالي عبر ديوان الرقابة المالية لتتبع أوجه صرف هذه الأموال ومحاسبة الجهات التي توظف المال العام لأغراض دعائية، والثاني تنظيمي عبر هيئة الإعلام والاتصالات من خلال تشكيل لجان متخصصة لرصد هذا النوع من المحتوى ومراقبة أنماط الترويج الممول.

وأكد أن الدولة لا ينبغي أن تتحول الى ساحة تنافس بين مؤسساتها ومديرياتها عبر حملات إلكترونية متصارعة، لأن ذلك يمثل إساءة مباشرة لمفهوم الدولة وإضعفاً لبنيتها، مشدداً على أن أي نشاط إعلامي حكومي مشروع يجب أن يقتصر على حملات وطنية أو خدمية واضحة تنفذ عبر مؤسسات إعلامية معروفة وضمن أطر مهنية شفافة.

وأشار المشعل إلى أن الظاهرة لا تقتصر على جهة بعينها، بل تشمل مؤسسات ودوائر متعددة، من بينها مكاتب رسمية وجهات أمنية ووزارات وشخصيات سياسية، معتبراً أن هذه الشبكات تمثل جزءاً من الفئات الطفيلية التي تستنزف المال العام وتفاقم العجز المالي للدولة، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية ومديونية متزايدة.

استثمارات ضخمة لتكريس الانقسامات

من جهته، اعتبر الناشط السياسي فرات علي أن توظيف شخصيات ومؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل مؤسسات رسمية أو جهات مرتبطة بالسلطة، عبر أموال عامة، بات جزءاً من منظومة دعائية منظمة تُستخدم لخدمة مصالح سياسية محددة، لا سيما عندما يُسخّر هذا النفوذ الرقمي لتمرير خطاب طائفي أو تحريضي يعمّق الانقسام المجتمعي ويكرّس بقاء الطبقة السياسية الحاكمة.

وقال في حديثه مع "طريق الشعب"، إن التعاقد مع المؤثرين ليس ظاهرة جديدة، وهي ممارسة تراكمت على مدى سنوات، تقوم على استقطاب شخصيات ذات جماهير متنوعة وتوجهات مختلفة بهدف التأثير على شرائح اجتماعية محددة وتمرير رسائل سياسية غير مباشرة عبرهم، مشيراً إلى أن بعض المؤسسات تسعى من خلال هذه الشخصيات إلى إعادة تشكيل صورتها داخل المجتمع أو ترميم شرعيتها المتراجعة، خصوصاً بعد التحولات التي شهدها الشارع العراقي منذ احتجاجات تشرين.

وأضاف أن المشكلة لا تكمن في الدعاية الإعلامية بحد ذاتها، بل في توظيفها لبث التفرقة المجتمعية والتحريض الطائفي، لافتًا إلى أن بعض القوى السياسية ما تزال تستثمر في "تهديد الوجود" بوصفه أداة لحشد جمهورها، عبر الترويج المستمر لفكرة الاستهداف الطائفي أو المؤامرات الخارجية، بما يعزز الاصطفاف حولها ويضمن استدامة نفوذها السياسي.

وأشار إلى أن الخطاب الطائفي بالنسبة لبعض الأطراف، يمثل جزءاً من بنية السلطة وأسلوباً لإدامة حضورها، من خلال تشغيل "ماكينات إعلامية" وشخصيات مؤثرة تعمل على استهداف الخصوم السياسيين، ومهاجمة أي خطاب وطني أو إصلاحي يهدد المصالح القائمة أو يدعو الى إعادة تعريف مؤسسات الدولة خارج الأطر الفئوية.

وأكد علي أن الفضاء الرقمي بات اليوم ساحة رئيسية للصراع السياسي، وأن السيطرة عليه تتم عبر البيجات والمنصات والشخصيات المؤثرة التي تضخ الرسائل المنظمة، وهنا نحن بحاجة ماسة لفرض خطاب وطني جامع، وتفعيل القانون بصورة متساوية بعيداً عن الانتقائية أو التسييس.

وانتقد في السياق ذاته غياب البرامج التوعوية والثقافية القادرة على مواجهة الخطاب الطائفي، معتبراً أن الاقتصار على الإجراءات العقابية لا يكفي ما لم تقترن بسياسات تثقيفية حقيقية تعزز الهوية الوطنية وتنبذ الانقسام، مشدداً على أن الأزمة الجوهرية تكمن في أن جزءًا من الطبقة السياسية نفسها يستفيد من بقاء هذا الخطاب، ما يجعلها غير معنية فعلياً بتفكيكه.

وختم علي بالتأكيد على أن المناصب العليا في الدولة يجب أن تُدار بوصفها مؤسسات وطنية تمثل جميع العراقيين، لا كامتيازات مذهبية أو فئوية، محذراً من أن استمرار التعامل الطائفي مع السلطة والخطاب العام يهدد مشروع الدولة الجامعة، ويُبقي المجتمع رهينة الانقسام بدلًا من ترسيخ المواطنة.