شهد العراق خلال عام 2025 تصاعداً في ملف البطالة، ليصبح أحد أبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية المثيرة للجدل، بعد أن أظهرت بيانات رسمية وإحصاءات دولية أن البلاد تصنف ضمن أعلى 10 دول عربية من حيث معدلات البطالة، في وقت ما زالت فيه التحديات الهيكلية في سوق العمل تؤثر على شريحة واسعة من المواطنين، خصوصاً الشباب والخريجين الجدد.
ووفق بيانات موقع Trading Economics، احتل العراق المرتبة السابعة عربياً بمعدل بطالة بلغ نحو 15.5 في المائة، متقدماً على عدد من الدول التي تُعد من اقتصادات إقليمية كبيرة، في حين تصدرت دول مثل فلسطين 28.6 في المائة وجيبوتي 25.9 في المائة والأردن 21.4 في المائة القائمة.
كيف يؤثر الاقتصاد الريعي؟
يقول الخبير في الاقتصاد الدولي د. نوار السعدي: إن الزيادة السكانية المتسارعة تشكل ضغطا مباشرا على سوق العمل في العراق، وتفاقم من معدلات البطالة التي تمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
ويؤكد أن الدولة لا تواكب هذا النمو لا بالتخطيط ولا بتنفيذ برامج توظيف فعالة، ما يؤدي إلى توسع دائرة البطالة والفقر وتراجع العدالة في توزيع الفرص.
ويضيف السعدي لـ"طريق الشعب"، أن النمو السكاني يتطلب توفير نحو نصف مليون فرصة عمل جديدة سنويا لمواجهة تداعيات البطالة، وهو ما يصعب تحقيقه في اقتصاد ريعي يعتمد أساسا على النفط، ويعاني من ضعف التنويع في القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، حيث ان عدم قدرة الدولة على استيعاب هذه الزيادة في القوى العاملة يؤدي إلى أزمات اقتصادية واجتماعية متشابكة، تبدأ بالبطالة وتمتد إلى تضخم المناطق العشوائية والهجرة الداخلية.
ويحذر السعدي من أن بطالة الشباب تؤدي إلى الإحباط واليأس، وتزيد من الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي أو الهجرة، وقد ترفع خطر التطرف وأعمال العنف التي تهدد استقرار الدولة.
ويشير إلى أن الحل لا يكمن في الحد من النمو السكاني فقط، بل في إصلاح الاقتصاد وتعزيز دوره الإنتاجي، وربط التعليم والتدريب المهني باحتياجات سوق العمل، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في القطاعات القادرة على استيعاب اليد العاملة الشابة.
ويخلص السعدي إلى أن البطالة ليست مجرد رقم على الورق، بل أزمة مركبة تؤثر في جودة الحياة والخدمات العامة والاقتصاد الوطني، مؤكداً أن تحويل النمو السكاني إلى قوة إنتاجية يتطلب سياسات ذكية ومستقرة، وإعادة هيكلة الاقتصاد بعيدا عن الريعية والاستهلاك فقط.
أزمة اجتماعية واقتصادية
ويرى علي العبادي، رئيس مركز العراق لحقوق الإنسان، أن معدلات الفقر في العراق وصلت إلى مستويات عالية، ما يعكس أزمة اجتماعية واقتصادية متفاقمة تؤثر على مختلف شرائح المجتمع.
ويشير العبادي في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن ملف العاطلين عن العمل يشكل تحدياً كبيراً بسبب غياب الإحصاءات الدقيقة حول حجم العاملين في القطاع الخاص، ما يجعل من الصعب تقييم الواقع الحقيقي للبطالة والفقر، مضيفاً أن الحكومة تقلل في كثير من الأحيان من حجم المشكلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الطبقات الفقيرة والعاطلين عن العمل.
ويصف العبادي الوضع في محافظة البصرة كمثال حي على الأزمة، مشيراً إلى أن غياب الخطط الاستراتيجية لتوفير فرص العمل، والاكتفاء بالتعيينات الحكومية، أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة.
ويعتبر العبادي أن تهميش النقابات العمالية أدى إلى تفاقم الأزمة، إذ كان من المفترض أن تلعب دوراً محورياً في حماية حقوق العاملين ومتابعة ملف التشغيل.
وفي ختام حديثه، دعا العبادي وزارتي العمل والتخطيط إلى تقديم بيانات شفافة للرأي العام حول نسب البطالة والفقر، لضمان وضوح الرؤية أمام المجتمع وتعزيز قدرة المؤسسات على صياغة حلول ناجعة، مؤكداً أن معالجة البطالة والفقر ليست خياراً بل ضرورة وطنية ترتبط بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.
التفكير بالهجرة!
يقول الناشط المدني محمد مجيد، إن شباب العراق يمتلكون طاقات ومواهب متعددة في مجالات متنوعة مثل البرمجة والفنون والرياضة والثقافة والإبداع التقني والفني، لكنه يشير إلى أن هذه الطاقات تواجه واقعا صعبا بسبب غياب فرص العمل، ما يجعل البطالة قضية تؤثر مباشرة على حياتهم ومستقبلهم.
ويضيف مجيد لـ"طريق الشعب"، أن الإهمال الحكومي للمراكز الشبابية والثقافية والملاعب الرياضية أدى إلى تراجع قدرة الشباب على استثمار مواهبهم بشكل فعلي، وتحويلها إلى إنتاج أو مشاريع صغيرة قادرة على خلق فرص عمل. ويلاحظ أن غياب البرامج التدريبية والورش المهنية وفرص التعلم والتطوير يجعل الشباب يشعرون بالإحباط ويحد من مشاركتهم الفاعلة في المجتمع.
ويؤكد مجيد أن البطالة بين الشباب لا تؤدي فقط إلى إحباطهم، بل قد تدفع البعض إلى الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي أو الهجرة بحثا عن فرص أفضل. كما أنها تهدد استقرار المجتمع وتحد من الاستفادة من الطاقات الشابة.
واضاف أن آلاف الخريجين وأصحاب المهارات والكفاءات بلا فرص عمل، رغم توفر الإمكانيات والموارد الكبيرة في اية محافظة، الأمر الذي يجعلهم يشعرون بالإحباط واليأس
ويختم مجيد بالتأكيد على أن دعم الشباب وتحويل طاقاتهم إلى فرص عمل حقيقية ومسارات إنتاجية ليس رفاهية، بل مسؤولية وطنية، وأن استمرار الإهمال سيترك أثراً سلبياً على المجتمع والاقتصاد على حد سواء.
تعطل المصانع يزيد البطالة!
وسلطت "طريق الشعب" الضوء في وقت سابق على أزمة البطالة المتفاقمة في محافظة ديالى، نتيجة تعطل المصانع والمنشآت الصناعية بعد عام 2003. وأكد عمر الكروي، رئيس مجلس محافظة ديالى، أن أكثر من 400 معمل ومنشأة صناعية تحولت إلى خردة حديدية، ما أدى إلى فقدان ما بين 50 و60 ألف عامل لمصادر رزقهم.
وأوضح الكروي لـ"طريق الشعب"، في وقتها، أن عدة عوامل تضافرت لتدمير هذه المصانع، رغم أن بعضها كان ينتج أكثر من 100 منتج متنوع يزود بها الأسواق العراقية، بما فيها العاصمة بغداد.
وأضاف أن توقف هذه المنشآت الصناعية لم يؤثر فقط على الاقتصاد المحلي، بل زاد من معدلات البطالة والفقر، وترك آلاف الأسر دون دخل مستقر.
ويشير الكروي إلى أن إعادة إحياء المصانع وتشغيلها من جديد، سيكون له أثر مباشر على تخفيف البطالة، وتوفير فرص عمل كبيرة للعاطلين.
وتعليقاً عن ذلك، يرى علي الجناحي، الناشط العمالي، أن توقف المصانع والمنشآت الإنتاجية في العراق أثر بشكل مباشر على ارتفاع معدلات البطالة بين العمال الشباب وكافة فئات القوى العاملة.
وأضاف الجناحي لـ"طريق الشعب"، أن الكثير من العمال فقدوا مصادر رزقهم نتيجة تعطل المصانع أو عدم الاستثمار فيها، ما دفع بعضهم إلى اللجوء إلى سوق العمل غير الرسمي أو أعمال بأجور متدنية، في حين بقيت طاقات كبيرة غير مستغلة.
وأشار إلى أن غياب خطط واضحة لإعادة تأهيل المصانع وتشغيلها، وعدم وجود سياسات تحفيزية للقطاع الصناعي، أسهم في فقدان الخبرات المهنية وضعف القدرة على تحويل الطاقات الشبابية إلى فرص عمل حقيقية.
وأكد الجناحي أن إعادة تشغيل المصانع ودعم القطاع الصناعي من خلال سياسات مستدامة سيكون لهما أثر مباشر على تقليل البطالة، وخلق فرص عمل مستقرة، وتحقيق استقرار اجتماعي أكبر، خصوصاً للشباب الذين يمتلكون خبرات ومهارات عملية.
واختتم الجناحي بالقول إن معالجة البطالة تتطلب دمج القطاع الصناعي مع السياسات العمالية والنقابية، لضمان استثمار الطاقات البشرية بشكل فعال ودائم.