اخر الاخبار

يُشكل الوضع البيئي المتدهور في كركوك، أحد أبرز المشكلات التي تواجه سكان هذه المحافظة النفطية. إذ ان مركزها والعديد من الأقضية والنواحي التابعة لها، تُسجل معدلات تلوّث بيئي مرتفعة وسط نشاط نفطي مكثّف في أربعة حقول.

وفي مقابل ذلك، تعاني المحافظة ندرة في الغطاء النباتي وعدم وجود خطط حكومية جادة لبناء أحزمة خضراء وغابات، أو حتى تحويل المساحات البلدية المصنفة كخضراء في الخرائط، إلى حدائق، بدل أن تظل جرداء تتراكم فيها النفايات.

ووفقا لبيانات تعداد السكان لعام 2024، يبلغ عدد سكان كركوك نحو مليونين و35 ألف نسمة، يتركز الجزء الأكبر منهم داخل مركز المحافظة، بما يزيد على مليون ونصف المليون نسمة. ومع هذا النمو الديموغرافي المتسارع، تواجه المحافظة عجزاً بيئياً حاداً. إذ تتراوح نسبة المساحات الخضراء الإجمالية بين 1 و3 في المائة كحد أقصى – بحسب ما تنقله شبكة "نيريج" للصحافة الاستقصائية عن مسوحات جغرافية لبلدية كركوك - وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بمعايير منظمة الصحة العالمية التي توصي بألا تقل المساحات الخضراء الحضرية عن 15 إلى 30 في المائة من المساحة الكلية.

وتضم كركوك أربعة حقول نفطية رئيسة، هي: باي حسن، كركوك، جمبور وخباز. ويبلغ مجموع الآبار النفطية في هذه الحقول حوالي 720 بئراً، بقدرة تصديرية تصل إلى نحو 350 ألف برميل يومياً.

ولا تنعزل الأزمة البيئية في كركوك عن مشهد عام يلقي بظلاله على بقية محافظات البلاد. إذ تواجه مدن كثيرة تراجعا حادا في غطائها النباتي جراء التوسع المخيف للبناء الكونكريتي على حساب الطبيعة. وتسببت أزمة السكن المتفاقمة في تجريف مساحات زراعية شاسعة وبساتين تاريخية لتحويلها إلى مجمعات سكنية وأحياء عشوائية، يرافقه إخفاق الجهات البلدية المتراكم في توسيع أو صيانة المساحات الخضراء العامة. وفيما تبدو هذه المشكلة ثقيلة في معظم المدن، فإن حدتها وضريبتها الصحية تزداد خطورة وضراوة في المدن التي تشهد نشاطا نفطيا مكثفا. 

غابة اسمنتية!

بين جدران مكتبته الصغيرة في شارع الجمهورية وسط كركوك، يواجه بكر لطيف حساسيته من تلوث الهواء، بارتداء الكمامات، بينما يحرص على تشغيل جهاز تكييف ومروحة أرضية لإعانته في التقاط أنفاسه!

يقول في حديث صحفي إن مدينته تحولت خلال العقود الثلاثة الأخيرة "من واحة خضراء يزينها مجرى نهر (خاصة) إلى غابة إسمنتية بلا حدائق وغابات"، مضيفا أن "المساحات الزراعية اندثرت، والمساحات المخصصة كحدائق عامة، تحوّلت إلى أراض جرداء ومكبات للنفايات".

ويصف لطيف الوضع البيئي في كركوك بـ"المأساة"، مبيّنا أن "الحقول النفطية تعمل بلا معالجات بيئية، والمساحات الخضراء تآكلت لصالح التوسع العمراني العشوائي، ما ترك السكان يواجهون هواءً ثقيلاً بالكاد يصلح للاستنشاق"!

ويسترجع الرجل ذكرياته عن مدينته قائلا: "كانت المدينة صغيرة وهادئة. كنا نعيش في حي تبه، وكانت الأراضي الممتدة من حيّنا باتجاه مجرى نهر خاصة، عبارة عن أشجار ومساحات خضراء مفتوحة"، مستدركا "لكن المدينة كبرت واختفت أشجارها. فيما تحوّلت مساحات واسعة من أراضيها الزراعية إلى مجمعات سكنية، بُنيت دون أي تخطيط عمراني أو بيئي". 

وضع كارثي

طالب الدكتوراه في كلية الزراعة بجامعة كركوك، ديلان وريا، يصف الوضع البيئي في محافظته بـ"الكارثي".

ويقول في حديث صحفي إنه "عند النظر إلى سماء كركوك من موقع مرتفع، يمكن رؤية طبقة رمادية داكنة تطبق على أجواء المدينة بارتفاع يتراوح بين 30 و40 متراً"، مشيرا إلى ان "هذا الحزام الدخاني الكثيف هو النتيجة المباشرة لعمليات حرق النفايات بشكل عشوائي دون معالجة، إلى جانب الانبعاثات الغازية الناجمة عن إنتاج النفط، دون استخدام فلاتر أو مرشحات للحد من السموم المتطايرة".

ويرى أن إنقاذ بيئة كركوك يتطلب تبني خطة استراتيجية شاملة وبعيدة المدى، منوّها إلى ان "مبادرات عدة اطلقت في عهد المحافظ السابق، لتشجير الطريق الحولي والطريق الرابط بين كركوك وأربيل، لكنها لم تنجح، لأنها افتقدت التكاملية".

ويوضح ان "غياب التخطيط المتكامل أدى إلى جفاف وتلف جزء كبير من الأشجار، نتيجة عدم سقيها بانتظام من قبل كوادر البلدية".

إهمال المساحات الخضراء

الناشط البيئي حسين صباح، يذكر في حديث صحفي ان "الحدائق والمساحات الخضراء في كركوك قليلة أصلاً، لكنها مع ذلك مهددة بالتراجع المستمر نتيجة نقص المياه وسوء الإدارة"، مشيرا إلى ان "الجهات المعنية لا تقدم الخدمات اللازمة للحدائق، ما يجعل الكثير منها يواجه الجفاف".

ويعبّر صباح عن قلقه البالغ إزاء تراجع الغطاء النباتي وتدهور جودة الهواء. ويقول إن "ثروة كركوك النفطية كان يفترض استغلالها لتطوير المدينة وزيادة غطائها النباتي، إلا ان ذلك لم يحصل. حيث تحولت تلك الثروة الى مصدر للكوارث البيئية".

بينما يعزو المهندس أيوب صابر، معاون مدير حدائق كركوك، مشكلة ضعف ادامة الحدائق إلى نقص عدد العاملين على خدمتها، مبيّنا أن "عدد البستانيين قليل جدا، لهذا لا يمكن تقديم الخدمات المطلوبة لجميع الحدائق في المدينة".

ويضيف في حديث صحفي أنه "يوجد في كركوك ثلاثة ملايين متر مربع من الحدائق، لكن عدد العاملين فيها لا يتجاوز 132 بستانيا، وهو عدد قليل جداً مقارنة بالحاجة الفعلية البالغة 1200 بستانيا"، متابعا القول إن "نحو 50 في المائة من البستانيين بلغوا سن التقاعد أو يعانون ضعف القدرة الجسدية، وأكثر من 80 في المائة منهم غير حاصلين على شهادات تعليمية".

سيول مائية ملوّثة بالنفط!

بحسب الناشطة البيئية شكوفة ساليي، فإن "الشوائب والمخلفات الناتجة عن عمليات استخراج النفط، تُصرف دون معالجة في منخفضات طبيعية أبرزها (وادي النفط) الواقع شمال غربي كركوك، ما يترك آثاراً بيئية مدمرة". وتوضح في حديث صحفي انه "مع حلول الشتاء وهطول الأمطار، تتجمع المياه أولاً في قريتي كوجك وياروَلي، الواقعتين شمال شرقي كركوك، ثم تجري بعدها نحو المناطق المنخفضة"، مضيفة أن "هذه السيول المتدفقة تصل إلى منشآت شركة نفط الشمال في الجهة الشمالية الغربية من المدينة وحينها تختلط بالمخلفات النفطية السائلة الراكدة في الوادي".

وتؤكد الناشطة، أن "السيول الملوثة تتجه جنوباً لتنساب فوق الأراضي الزراعية لـ 35 قرية، ما يُلحق أضرارا جسيمة بالتربة والمحاصيل الزراعية وحتى المواشي، وهو ما ينعكس لاحقا على صحة المواطنين"، منوّهة إلى ان "هذه الكارثة تمتد أبعد من ذلك. إذ تواصل المخلفات جريانها لتختلط قرب قضاء بيجي بمياه نهر الزاب الصغير، ثم تصب في النهاية في نهر دجلة"!

وإلى جانب تلوث التربة والمياه بسبب مخلفات النفط السائلة، فإن عملية استخراج النفط تطلق الغاز الطبيعي، وتقوم شركات النفط بحرقه بنحو مستمر، ما يجعل هواء كركوك ملوثا بغازات سامة - وفق ما تؤكده شكوفة.

غبار وعوالق نفطية

من جانبها، تتحدث المواطنة ريحان رشيد، التي تسكن في حي رحيماوا شمالي كركوك، عن معاناتها اليومية مع تلوث الهواء، مؤكدة في حديث صحفي أنها تُجبر يوميا على تنظيف منزلها للتخلص من الأتربة والعوالق النفطية.

وتلفت إلى ان "المشكلة تشتد في الصيف. فعندما نُشغّل مبردات الهواء، يتسلل الغبار والملوثات العالقة في الجو إلى داخل الغرف"، مضيفة أنه "عندما أقوم بنشر الثياب المغسولة في الخارج، تكتسي أحيانا بطبقة خفيفة من العوالق النفطية".

أما فاطمة أحمد، التي تسكن في حي شوراو، فتقول: "تعودنا ان نعيش مع هذه السموم، ومع ما تخلفه من أمراض صدرية. لدي طفلان يعانيان مشكلات في التنفس". 

ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان

يحذر اختصاصيون من التداعيات الخطيرة الناتجة عن ارتفاع نسب التلوث في كركوك، منبهين الى أن ذلك يزيد من معدلات الاصابة بقائمة طويلة من الأمراض، لا سيما التي تضرب الجهاز التنفسي، فضلاً عن السرطان.

في هذا السياق، يقول مدير مستشفى الأورام وأمراض الدم في كركوك، د. نياز أحمد أمين، إن "معدلات الإصابة بالسرطان في المدينة تشهد ارتفاعاً مستمراً. حيث تم تسجيل 600 حالة جديدة منذ بداية عام 2025 حتى شهر آب من العام ذاته".

وبحسب ما تنقله وكالات أنباء عن المستشفى نفسها، فإن 1016 إصابة سرطانية سُجلت عام 2023، وارتفع العدد المُسجل في العام 2024 إلى 1,276 حالة، ما يعني زيادة بنسبة 25.6 في المائة خلال عام واحد.