اخر الاخبار

حذّر "مرصد العراق الأخضر" المتخصص في الشؤون البيئية، الأحد الماضي، من المخاطر الصحية الناجمة عن تلوث مصادر المياه في البلاد، لافتا إلى أن بكتيريا القولون الهوائية  الموجودة في تلك المصادر، ومنها نهر دجلة، قد تكون سبباً للإصابة بنحو 13 مرضاً ومضاعفات صحية خطيرة.

وخلال الأيام الأخيرة، أعاد الجدل الشعبي المتصاعد بشأن تلوث نهر دجلة فتح واحد من أكثر الملفات البيئية حساسية في البلاد، بعد تداول مقاطع مصورة تُظهر تصريف كميات كبيرة من المياه الثقيلة في مجرى النهر. وفي وقت حذرت فيه جهات بيئية من مخاطر صحية خطيرة مرتبطة بتدهور نوعية المياه، بدت المواقف الرسمية متباينة بين الإقرار بوجود تجاوزات بيئية، وتأكيد سلامة المياه المجهزة للمواطنين.

وتداولت وكالات أنباء محلية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، فيديوهات تظهر تدفق مياه صرف صحي في دجلة، ما أثار موجة من القلق الشعبي بشأن حجم التلوث الذي يتعرض له أحد أهم المصادر المائية في البلاد.

وتعززت المخاوف مع تحذيرات المرصد البيئي من وجود مخاطر صحية مرتبطة بتلوث المياه. إذ أكد في بيان له أن البكتيريا المنتشرة في المياه الملوثة قد تصيب الجهاز الهضمي والمسالك البولية بأمراض خطيرة، وتتسبب في مضاعفات أكثر خطورة قد تصل إلى الفشل الكلوي وتسمم الدم.

ورغم تصاعد المخاوف إثر تلك التحذيرات، برز تضارب في الخطاب الرسمي. ففي حين تابعت وزيرة البيئة سروة عبد الواحد الملف ميدانيا وأجرت زيارة للاطلاع على التلوث الحاصل في النهر، وتوعدت الجهات المسؤولة عن التلوث بـ"اتخاذ إجراءات قانونية"، ووصفت استمرار رمي الملوثات في دجلة بأنه "أمر غير مقبول ويهدد الأجيال المقبلة"، نفى المتحدث باسم وزارة البيئة لؤي المختار، صحة بعض التصريحات التي تحدثت عن عدم صلاحية المياه للشرب والاستخدامات المنزلية.

وقال في بيان صحفي، أن "التعميم بشأن تلوث جميع المياه في العراق يفتقر إلى الدقة العلمية"، مشيراً إلى "ضرورة التمييز بين المياه الموجودة في المصادر المائية والمياه التي تخضع لعمليات المعالجة والتجهيز قبل وصولها إلى المواطنين".

ويرى ناشطون بيئيون أن الجدل الدائر يعكس أزمة تتعلق بإدارة الموارد المائية والرقابة البيئية في البلاد. إذ قال الناشط البيئي برهان علي، أن "المشكلة لا تكمن في حادثة تلوث واحدة، بل في تراكم سنوات من الإهمال وضعف تطبيق القوانين البيئية"، موضحاً في حديث صحفي أن "تصريف المياه الثقيلة في الأنهر ما زال مستمراً في العديد من المناطق بسبب نقص محطات المعالجة أو تعثر مشاريعها".

وأضاف قائلا أن "المشاهد المتداولة أخيراً ليست مفاجئة للمتخصصين، بل تمثل جزءاً من واقع بيئي موثق منذ سنوات"، محذراً من أن "استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تدهور أكبر في نوعية المياه وارتفاع كلفة معالجتها مستقبلاً".

مصدر تهديد صحي

في بيانه، أوضح "مرصد العراق الأخضر" أن "بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli) تُعد من البكتيريا واسعة الانتشار التي تعيش بصورة طبيعية في أمعاء الإنسان والحيوان، إلا أن بعض سلالاتها قد تتحول إلى مصدر تهديد صحي عندما تنتقل إلى أجزاء أخرى من الجسم أو عبر تناول مياه وأطعمة ملوثة بها".

وأشار إلى أن من أبرز الأعراض والأمراض المرتبطة بهذه البكتيريا "اضطرابات الجهاز الهضمي، التي تبدأ بإسهال مائي حاد قد يتطور في بعض الحالات إلى إسهال دموي، إضافة إلى المغص الشديد وتقلصات البطن والغثيان والتقيؤ، فضلاً عن ارتفاع طفيف في درجات الحرارة لدى بعض المصابين".

وأضاف المرصد قائلا أن "البكتيريا قد تتسبب أيضاً في التهابات المسالك البولية عند انتقالها من الجهاز الهضمي إلى مجرى البول، ما يؤدي إلى الشعور بحرقة وألم أثناء التبول، والحاجة المتكررة لدخول الحمام، فضلاً عن آلام أسفل البطن والظهر".

ونوّه إلى أن "أخطر المضاعفات المحتملة تتمثل في الإصابة بمتلازمة انحلال الدم اليوريمية. وهي حالة صحية شديدة الخطورة قد تؤدي إلى تدمير خلايا الدم الحمراء، وحدوث فشل كلوي حاد، وانخفاض حاد في عدد الصفائح الدموية".

ولفت المرصد إلى أن "وصول البكتيريا إلى مجرى الدم أو إلى أعضاء أخرى في الجسم، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون ضعف المناعة أو الذين خضعوا لعمليات جراحية، قد يؤدي إلى الإصابة بتسمم الدم، إلى جانب التهابات المرارة والقنوات الصفراوية، والتهاب السحايا لدى حديثي الولادة في حال انتقال العدوى من الأم أثناء الولادة".

المياه المعبّأة لا تخلو من مخاطر!

المرصد نبّه في بيانه إلى "استمرار طرح ملايين الأمتار المكعبة من المياه الثقيلة غير المعالجة في الأنهار ومصادر المياه المختلفة"، محذراً من أن "الاعتماد على المياه المعبأة المتداولة في الأسواق قد لا يكون كافياً لتجنب المخاطر، كون جزء منها يُستحصل من المصادر المائية ذاتها، في وقت يصعب فيه أحياناً التخلص من بعض الملوثات، لا سيما العناصر الثقيلة والمواد السامة.

ودعا المرصد السلطتين التنفيذية والتشريعية إلى عقد جلسة طارئة لمناقشة ملف التلوث المتفاقم في نهر دجلة وبقية مصادر المياه، وتشخيص أبرز أسبابه، واتخاذ قرارات وإجراءات رادعة للحد من جميع أشكال التلوث، مع فرض أقصى العقوبات القانونية بحق الجهات المتسببة في ذلك.

آثار صحية طويلة الأمد

إلى ذلك، حذّر الطبيب الاختصاصي في الأمراض الباطنية، علي جاسم، من أن "التلوث الجرثومي والكيميائي للمياه قد ينعكس بشكل مباشر على الصحة العامة، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة"، مبينا في حديث صحفي أن "التعرض المستمر لمياه ملوثة أو استخدام منتجات غذائية ملوثة قد يؤدي إلى زيادة معدلات الإصابة بأمراض الجهاز الهضمي والالتهابات المعوية".

وأشار إلى أن "بعض الملوثات قد تترك آثاراً صحية طويلة الأمد يصعب اكتشافها في مراحلها الأولى".

وأزمة تلوث نهر دجلة وغيره من الأنهار في البلاد ليست جديدة. وتصاعدت التحذيرات مرات عدة من خطورة تصريف مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والزراعية في الأنهار، في ظل محدودية شبكات المعالجة وتزايد الضغوط السكانية والبيئية. وعلى الرغم من الوعود الحكومية المتكررة بمعالجة الملف البيئي وتطوير البنى التحتية الخاصة بالصرف الصحي، يرى مراقبون أن الإجراءات المتخذة خلال السنوات الماضية لم ترتق إلى حجم المشكلة. إذ لا تزال مشاريع عديدة لمعالجة المياه متعثرة أو غير قادرة على استيعاب الكميات المتزايدة من المخلفات السائلة. ومع استمرار الجدل بين التحذيرات البيئية والتطمينات الرسمية، تتزايد الدعوات لإجراء فحوص مستقلة وشفافة لنوعية المياه في مختلف المحافظات، ونشر نتائجها، إلى جانب الإسراع في تنفيذ مشاريع المعالجة وتشديد العقوبات على الجهات التي تقوم بتصريف الملوثات في الأنهار، في محاولة لاحتواء أزمة باتت تمس الصحة العامة والأمن البيئي لملايين المواطنين.