تواجه خطوة فرض الضمان الصحي الإلزامي على موظفي الدولة في العراق، موجة رفض وانتقادات متصاعدة، في ظل شكاوى من استقطاعات مالية بدأت تفرض بالفعل، مقابل غياب واضح للخدمات الصحية الحقيقية، التي يفترض أن يوفرها النظام، ما يثير تساؤلات حول جدوى التطبيق في هذه المرحلة.
ووفقا لتقرير نشرته وكالة أنباء "العربي الجديد"، فإن موظفين في عدد من المؤسسات الحكومية أفادوا بأن وزارة الصحة ألزمت دوائر الدولة تباعاً بالانخراط في نظام التأمين الصحي من دون استثناء، مع فرض استقطاعات شهرية من الرواتب، واحتسابها بأثر رجعي منذ شباط الماضي، رغم عدم وجود أي تغيير فعلي في مستوى الرعاية الصحية أو في آلية تقديم الخدمات الطبية.
وتنص المادة (16) ثالثا من قانون الضمان الصحي رقم (22) لسنة 2020، على أن يكون التسجيل في الضمان الصحي "إلزاميا ويشمل كافة موظفي الدولة"، و"اختياريا ويشمل المتقاعدين كافة، النقابات، الجمعيات، الشركات وأرباب العمل، المواطنين وعوائلهم بشكل منفرد".
وعلى أعقاب صدور القانون، أقيمت دعوة قضائية من قبل المدعي إياد جعفر علي أكبر، للطعن بدستورية بعض مواد القانون، ومنها فقرة الزام الموظفين بالتسجيل في الضمان الصحي، لكن المحكمة ردت الدعوة المتعلقة بفقرة إلزام الموظفين، مقرة بدستورية الفقرة.
موظف: لا نثق في المنظومة الصحية!
في حديث صحفي، يقول رعد الماجدي، وهو موظف في وزارة التعليم العالي، أن وزارته من أولى الوزارات التي طُبق فيها نظام الضمان الصحي.
وأوضح أن "فكرة التأمين الصحي ليست مرفوضة من حيث المبدأ، لكنها تفقد معناها عندما لا تقترن بخدمة حقيقية"، مضيفا القول: "لا نثق في المنظومة الصحية الحالية، سواء في المستشفيات الحكومية التي تعاني نقص التجهيزات والأدوية، أم حتى الأهلية التي تقدم خدمات أقل من مستوى الكلفة التي يتحملها المواطن".
وتنقل وكالات أنباء عن موظفين آخرين، قولهم أنهم حاولوا في بداية الأمر رفض تزويد دوائرهم بالبيانات المطلوبة للاشتراك، إلّا أن الطلبات تكرّرت أكثر من مرة، قبل أن تفرض الاستقطاعات فعلياً، ما اعتبروه "إجباراً غير مباشر" على القبول بالنظام، خصوصاً مع ربط بعض الإجراءات الإدارية باستكمال بيانات التأمين.
ومنذ أكثر من عام أعلنت وزارة الصحة أنها بدأت تطبيق نظام التأمين الصحي للراغبين من الموظفين وغير الموظفين، إلّا أنها فوجئت بعدم الاندماج بالنظام، وأن معظم المواطنين لا يثقون في جدية التطبيق الصحيح لنظام التأمين، ما دفعها إلى فرضه في الدوائر.
وبحسب شهادات متعدّدة تنقلها وكالات أنباء، فإن وزارة الصحة لم تقدم توضيحات كافية بشأن آليات التطبيق أو شبكة المؤسسات الصحية التي سيغطيها التأمين، وانها لم تستجب لتساؤلات الموظفين حول طبيعة الخدمات المشمولة، أو سقوف التغطية، أو آلية التعويض، ما عزّز حالة الغموض وعدم الثقة.
استقطاع أموال من دون مقابل
من جهته، ينتقد عضو نقابة الأكاديميين مهند الحياني، أسلوب فرض التأمين الصحي، معتبراً في حديث صحفي، أن "التأمين الصحي خطوة ضرورية إذا كان مبنياً على بنية صحية قادرة على الاستيعاب، لكن ما يجري حالياً هو استقطاع أموال من دون مقابل واضح".
ويضيف قوله أن "الاقتطاع بأثر رجعي منذ شباط يثير تساؤلات جدية حول شفافية التطبيق، خاصة أن الموظفين لم يلمسوا أي خدمات إضافية حتى الآن، ولم يتم إشراكهم في فهم تفاصيل النظام"، مشيرا إلى أن "نجاح أي نظام تأمين يعتمد بالدرجة الأولى على جاهزية البنية التحتية الصحية، من مستشفيات وكوادر وتجهيزات، إضافة إلى وجود نظام إداري شفاف يضمن وصول الخدمة للمشتركين بشكل عادل وسريع، وهو ما لا يتوفر بشكل كافٍ في العراق حالياً".
هل يتعلق الأمر بتعظيم الإيرادات غير النفطية؟!
يأتي هذا الجدل حول تطبيق القانون، في سياق ضغوط مالية تواجهها الحكومة، انعكست على سياسات تتعلق بالرواتب والإنفاق العام. إذ يشتكي موظفون خلال الشهور الأخيرة من تأخر صرف الرواتب في بعض المؤسسات، إلى جانب حديث متكرّر عن إجراءات تهدف إلى تقليص النفقات لمواجهة الأزمة المالية، ما جعل أي استقطاع جديد ينظر إليه بحساسية عالية.
ويرى عضو نقابة الأطباء العراقيين غانم اللهيبي، أنّ "فرض التأمين الصحي بصيغته الحالية قد يفهم من شريحة واسعة من الموظفين جزءاً من الإجراءات المالية الحكومية الضاغطة على شريحة الموظفين، خاصة في ظل غياب الثقة في القطاع الصحي، الذي يعاني منذ سنوات ضعف التمويل وسوء الإدارة، إلى جانب تحديات مزمنة مثل الاكتظاظ ونقص الخدمات التخصصية وهجرة الكوادر الطبية".
ويعتبر أن "استمرار تطبيق النظام من دون تحسين فعلي وملموس في جودة الخدمات الصحية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تعميق فجوة الثقة بين الموظف والمؤسسات الحكومية، وتقويض أي محاولة مستقبلية لإصلاح القطاع الصحي عبر أدوات التمويل الحديثة".
وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد مطالبات بإعادة النظر بآلية تطبيق التأمين الصحي، من خلال ضمان الشفافية، وتوضيح الخدمات، وربط الاستقطاعات بتحسين فعلي في الأداء الصحي، بدلاً من فرضه كالتزام مالي إضافي على الموظفين. ومع استمرار الاستقطاعات، يترقب الموظفون ما إذا كانت الحكومة ستقدم مؤشرات ملموسة على تحسين الخدمات الصحية، أم أن التأمين سيبقى، كما يصفه البعض "استقطاعاً ثابتاً بلا أثر واضح على أرض الواقع"، في بلد لا يزال فيه الحصول على علاج مناسب تحدياً يومياً لشريحة واسعة من السكان.
جدير بالذكر، أن وزير الصحة صالح مهدي الحسناوي، قال في مؤتمر صحفي نُشرت مقتطفات متلفزة من وقائعه، أخيرا، على صفحات الوزارة في مواقع التواصل، أن "منظومة الضمان الصحي، عند إقرار القانون، واجهت معارضة شديدة من الموظفين ومن قطاعات مختلفة"، مضيفا قوله: "أما الآن فإن قائمة انتظار المشاركين، سواء من موظفي الدولة أم القطاع الخاص أم النقابات، طويلة".
وأوضح أنه "حتى الآن سجلنا مليونين ونصف المليون مستفيد، وهناك عدد كبير من المواطنين ينتظرون التسجيل"، مبينا أن "الوزارة ستنتقل إلى تسع محافظات، بهدف الوصول إلى سبعة أو ثمانية ملايين مضمون خلال السنوات القادمة".
وأشار الحسناوي إلى ان "الضمان يقدم بحدود 377 ألف خدمة صحية، و931 فحصا مختبريا، وعددا غير قليل من خدمات اخرى موزعة على مختلف الاختصاصات".