جملة من المواقف والتطورات التي مرت بها بلادنا، بضمنها في الفترات الأخيرة، أظهرت على نحو جليّ ان هناك ازمة مركبة، تتمثل في مدى القدرة على اتخاذ القرار عندما تمس الحاجة اليه، وبعد ذلك القدرة الفعلية على نقله من الورق الى الواقع، وصيرورته فعلا. ومربط الفرس هنا كما يقال، يكمن في السؤال: من يقرر، وكيف يتخذ القرار، ومن يمتلك القدرة على تنفيذه؟
العراق لا يفتقر الى الخطط والأفكار والقوانين وتشكيل اللجان، وما اكثرها، وتكاد مشاكل البلد وازماته تدرك على نطاق واسع، رسميا وشعبيا، وهي مشخصة ومعروفة. وخطط التنمية الوطنية، على سبيل المثال، تتضمن تشخيصات مهمة وفيها جهد كبير، ولكنها تركن على جانب ولا أحد يقترب منها. فمنذ سنوات يجري الحديث عن أهمية وضرورة الإصلاح الاقتصادي، وخطر الاستمرار في الاعتماد على مصدر يكاد يكون وحيدا للدخل، والحاجة الى تنويع المصادر، كذلك الامر في ما يخص ملفات الكهرباء، ومكافحة الفساد، وإصلاح الإدارة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتحسين الخدمات الأساسية العامة، ومعالجة ازمة المياه، وغيرها مما يعاني منه البلد والمواطن. وتحت هذه العناوين وغيرها قيل وكتب الكثير، لكن العبرة تظل في امكانية تحويل السياسات والخطط الى حيز الواقع، وان يتلمس المواطن النتائج بما يحسّن من ظروف معيشته، ويلبي حاجاته المتزايدة لاسيما في راهن الحال.
والقرار ليس بالطبع مجرد اعلان موقف او صياغة توجيه او اصدار قانون، فالقرار الجاد والحقيقي والمراد تنفيذه فعلا، هو الذي يحدد ما ينبغي فعله، ومن سيفعله ومتى، واية موارد هي المطلوبة، ومن يتحمل المسؤولية والمتابعة. ومفهوم ان بعض القرارات تحتاج الى تفاهمات، لكن ان يتحول هذا الى معرقل وعامل تسويف ومماطلة، وبحجج مختلفة، فان ذلك يفقد القرار، أي قرار، مغزاه، ويُضيّع الفرص ويهدر الوقت، وهو ما يحصل اليوم في بلدنا، وفي ملفات عدة، منها: حصر السلاح، ومكافحة الفساد، واستكمال تشكيل الحكومة وما يواجه ذلك من تقاطعات بفعل النهج المحاصصاتي المعتمد.
ثم ان واقع الحال يبين انه حتى وان اتخذ القرار، فالمشكلة الأكبر تأتي بعد ذلك. فكم من قرار صدر ولم يتحول الى واقع؟ وكم لجنة شكلت وبقيت مخرجاتها في الأوراق المنسية؟ وكم قانون ظل بانتظار التعليمات او الإرادة السياسية والإدارية، كي يرى النور؟ ويمكن القول هنا ان الازمة تتحول من ازمة اتخاذ القرار الى ازمة تنفيذه، وهذا هو الشائع والسائد. وتكرار ذلك، الذي يحصل عادة، يقود الى فقدان ثقة المواطن بمؤسسات الدولة وبقدرتها على أداء مهماتها ووظائفها على النحو المطلوب. ويتعمق ذلك مع غياب المحاسبة والمساءلة وانعدام إمكانية تنفيذ القانون وتطبيقه على الجميع.
وفي جوانب ازمة القرار لابد من الإشارة الى مسالة أخرى مهمة، تتعلق بمن يتخذ القرار والمخوّل بذلك، خاصة في القضايا الوطنية الكبرى، مثل قرار الحرب والسلم واحتكار العنف وملف علاقات الدولة الخارجيةز فعندما تتعدد الجهات، تضعف إمكانية اتخاذ قرارات ناضجة وباهداف محددة وملزمة التنفيذ، بل وحتى تضيع المسؤولية. لذا فان ازمة اتخاذ القرار وتنفيذه ليس منفصلة عن النهج المتبع في إدارة الدولة وبناء مؤسساتها، ما يوجب الانتقال من دولة تتحكم فيها المحاصصة الى دولة المواطنة والمؤسسات والقانون. فلا يمكن اتخاذ قرارات وطنية فعالة إذا بقي الحال كما هو، حيث بات مطلوبا إعادة بناء منظومة القرار ذاتها، بدءا بالخلاص من المحاصصة والانتقال الى الدولة المدنية المعاصرة بما تشمله من معايير المواطنة والكفاءة والاستحقاقات القانونية والدستورية.
فنحن حقا نحتاج الى دولة والى سلطة تستطيع، وفقا للمصلحة الوطنية، ان تقرروتنفذ.