اخر الاخبار

العربي الجديد

مع اقتراب الموعد المقرّر لانتهاء مهمة "التحالف الدولي" في العراق وانسحاب قواته بشكل كامل بنهاية الشهر الجاري، تدخل المؤسسة العسكرية العراقية مرحلة جديدة لإثبات قدرتها على تولي المسؤولية الأمنية على نحوٍ أوسع. وفيما وضعت خطط لإعادة الانتشار وسد الثغرات وتعزيز الجهد الاستخباري، تؤكد بغداد قدرة قواتها على إدارة الملف ومسك الأرض، بينما يرى مراقبون أن الانتقال إلى حماية المجال الجوي والسيادة من دون المظلة العسكرية لقوات التحالف قد يفرض تحدياً أكثر تعقيداً.

وتؤكد بغداد التزامها الواضح بالموعد المحدّد، وحاول رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، خلال زيارته إلى ألمانيا قبل أيام، إرسال رسائل واضحة بشأن قدرة العراق على تحمل المسؤولية الأمنية، مؤكداً أن "القوات العراقية قادرة على مسك الأرض بصورة جيدة، والعراق اليوم لا يحتاج إلى دعم عسكري، إذ نعمل على حماية سماء العراق، ونحن مسيطرون على حماية البلاد".

ويتقدم الملف الأمني في العراق، خلال هذه المرحلة، على الأولويات الأخرى في إطار الاستعدادات العسكرية، إذ وضعت القيادات العسكرية خططاً تتناسب مع انتهاء دور التحالف الدولي. ووفقاً لمصدر أمني عراقي، فإنّ "الخطط العسكرية وضعت قبل فترة، ودخل جزء منها بالفعل حيّز التنفيذ الميداني، من خلال رسم خطط الانتشار العسكري، وتحديد الثغرات الأمنية، فضلاً عن مراقبة الحدود والمجال الجوي".

وبين المصدر، في حديث لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم ذكر اسمه، أن "الخطط لا تقوم فقط على زيادة أعداد القوات، وإنما على توزيع القوات القتالية العراقية وفق طبيعة التحديات"، وأضاف أنه "جرى تطوير خطط منظومات الدفاع والرصد والاستطلاع، وربط المعلومات بين الوحدات القتالية وقوات البشمركة في إقليم كردستان"، مبيناً أن "التنسيق العسكري مع الإقليم بات جزءاً أساسياً من هذه المرحلة، خصوصاً في المناطق التي تحتاج إلى تبادل المعلومات ومراقبة التحركات المسلحة والحدود".

ويجري ذلك في وقت لم يخف فيه الجانب الكردي مخاوفه من انسحاب قوات التحالف، وما لذلك من أثر يراه "صعباً" في ضبط الأمن في البلاد. وكان زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني قد حذر، قبل أيام، من "ظهور جديد لتنظيم داعش"، مؤكداً أنه "ما من شك في أنه عند انسحاب القوات الأميركية والتحالف الدولي، سيتكرر سيناريو أحداث 2014 نفسه، وسيظهر داعش من جديد"، وأضاف: "لطالما قلنا للإدارة الأميركية إن بلادنا تحتاج إلى القوات الأميركية والتحالف الدولي، لأن خطر داعش لا يزال قائماً".

ودفع القلق الكردي باتجاه بناء ترتيبات عسكرية مع بغداد، إذ التقى رئيس ممثلية حكومة إقليم كردستان في بغداد فارس عيسى، أمس الجمعة، مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة الاتحادية، الفريق أول الركن عبد الأمير الشمري. وجرى خلال اللقاء بحث الأوضاع العامة في العراق وإقليم كردستان، في ظل التطورات والمتغيرات التي تشهدها المنطقة وتداعياتها على الأوضاع الأمنية والسياسية في البلاد، كما بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون والتنسيق الأمني بين حكومتَي الإقليم وبغداد.

وفي ظل الانتشار العسكري الميداني العراقي، والدور الاستخباري الذي جرى تفعيله على نطاق واسع، يبرز ملف الدفاع الجوي باعتباره الأكثر حساسية في البلاد، إذ لا يزال العراق في طور بناء شبكة دفاع جوي متكاملة تستطيع اكتشاف الطائرات المسيرة والصواريخ واعتراضها، وحماية المنشآت الحيوية. وكان الزيدي قد تفقد، في وقت سابق، مركز عمليات الدفاع الجوي، واطلع على خططه وإمكانية تطويرها بما يشمل الرادارات والرصد والقيادة والسيطرة، وما إلى ذلك من متطلبات تطويرية.

ويرى الخبير العسكري جمال الشمري، وهو ضابط سابق برتبة لواء ركن في الجيش العراقي، أنّ "مرحلة انسحاب قوات التحالف الدولي تمثل، في حقيقتها، مرحلة اختبار لقدرة العراق على حماية أمنه بوسائله وقدراته الخاصة"، وبين الشمري، لـ"العربي الجديد"، أنه "لا شك في أن القدرات القتالية للعراق اليوم أفضل مما كانت عليه عام 2014، غير أن الدفاع الجوي وحماية الحدود والمعلومة الاستخبارية تبقى الأساس في هذه المرحلة، وستكون أمام اختبار صعب".

وأضاف أن "بناء هذه القدرات يتطلب وقتاً، لذا فإنّ الاعتماد على القوات العراقية بشكل كامل لن يسد فراغ التحالف الدولي بالكامل، وعلى بغداد أن تعمل على إقامة شراكات تدريبية وتكنولوجية مع الدول التي تستطيع دعم العراق في هذا المجال، من دون أن يمثل ذلك وجوداً لقوات أجنبية في البلاد". وكانت بغداد قد أكدت أخيراً مضيها في استكمال إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، وفق التوقيتات والآليات المتفق عليها، في 30 سبتمبر/ أيلول الجاري، معتبرة أن الانسحاب يؤسس لانتقال علاقة العراق مع دول التحالف الدولي إلى علاقات ثنائية قائمة على احترام السيادة والمصالح المتبادلة.