اخر الاخبار

يواجه بلدنا اليوم مجموعة من التحديات لعل في مقدمتها السؤال المتعلق بطبيعة وماهية الدولة ذاتها، وفيما إذا كانت حقا تمتلك قرارها، وتعبر عن مصالحها وتتصرف كونها ذات سيادة فعلية؟

ولعل من نافل القول الإشارة الى ان الدولة في معناها السياسي الحديث هي منظومة متكاملة من السلطة والقانون وتوفر الإرادة لاتخاذ القرار وتنفيذه، سواء فيما يخص الداخل او البعد الخارجي. وهنا يبقى المعيار في القدرة على الفعل المستقل.

وإذا كان دستور عام ٢٠٠٥ يشير في مادته الأولى الى ان جمهورية العراق "دولة اتحادية واحدة مستقلة، ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي"، فان التحدي يكمن في مدى تجسيد ذلك على ارض الواقع؟

وراهن الحال يقول بوجود الدولة ومؤسساتها، ولكن المفارقة تكمن في تداخل مستويات القرار فيها وتعدد مراكز اتخاذه، او توحيده، وأيضا مدى القدرة والامكانية على فرضه بذات القوة والمفعول وبشكل متساو على الجميع.

ان امتلاك الدولة لقرارها، لا يعني فقط ما يخص السياسة والعلاقات الخارجية وتدخلاتها، وكل ما له صلة بهذا البعد، فهو قبل كل شيء الامكانية التي تتوفر للدولة ومؤسساتها على تطبيق القانون دون استثناء، واحتكار القوة، وإدارة الموارد العامة للبلد وفق رؤية وطنية موحدة، تنسجم مع المصالح العليا للشعب والوطن، والممارسة الفعلية لاستقلالية القرار الاقتصادي والمالي وحماية الموارد العامة وتنميتها، وان تتمتع الدولة ببناء مؤسسي مستقر نسبيا لا يخضع للتغيرات في موازين القوى.

إن القرار الوطني المستقل يجسد الميزان الحقيقي الذي يؤشر سيادة البلد وقدرته على رسم مستقبله، بعيدا عن الوصاية والاملاءات الخارجية، وماهية مثل هذا القرار تتجسد في كونه، تعبيرا عن المصالح العليا للشعب بكل اطيافه ومكوناته.

ولعل القضية الأبرز الان ذات الصلة ما يعلنه رئيس الوزراء، ويكرره بشأن حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة الدستورية، فان تحقيق ذلك يعد مظهرا مهما لسيادة الدولة وممارسة صلاحياتها في احتكار قرار الحرب والسلم. والمضي قدما في تنفيذ هذا الموقف يحتاج في الوقت نفسه الى تنمية قدرات الدولة وتمكينها من حماية امنها الشامل. وتتعاظم أهمية ذلك بعد ان حُدد الثلاثون من أيلول موعدا نهائيا لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق.

ومع هذه التقاطعات الحاصلة الان في الوضع الإقليمي، فان في صلب المصلحة الوطنية العراقية ان لا يكون البلد تابعا لاي محور، والا يسمح باستخدام أراضيه منصة لتهديد الاخرين او ساحة حرب بالوكالة، وهذا وثيق الارتباط بمدى التقدم الحاصل في احتكار الدولة لعناصر القوة. وهذا بحد ذاته يتطلب بناء مؤسسيا قويا، وتطبيق القانون على الجميع، وتوافقا سياسيا وطنيا واسعا، يحول دون حصول اية مواجهات داخلية.

ومن جانب اخر، فان الدولة التي تسعى الى امتلاك ناصية قرارها الوطني عليها ان تدعم إجراءاتها بالسعي الى بناء اقتصاد منتج، غير معتمد بشكل شبه كلي على واردات النفط الخام المتذبذبة، التي نتلمس اثارها وتداعياتها اليوم بسبب الحرب وأزمة مضيق هرمز.

وهنا من المفيد الإشارة الى ان استعادة القرار الوطني العراقي لا يعني بحال من الأحوال الانغلاق على العالم الخارجي، بل يقود الى امتلاك علاقات متينة راسخة، على الصعيدين الإقليمي والدولي، ولكن مبنية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والاقرار بسيادة الدول بعيدا عن التدخلات.

في هذه المرحلة الحساسة لا بد ان تكون استعادة القرار الوطني العراقي والقدرة على إنفاذه هماً وطنياً عاماً. وعندما يكون كذلك يُفسح المجال أمام حالة الاستقرار والأمان واستعادة ثقة المواطن بقدرات الدولة ومؤسساتها على أداء مهامها.