سنّت أغلب الدول العربية التشريعات اللازمة لتجريم التحرش والاغتصاب، رغم أنها بمعظمها قوانين شكلية ومليئة بالثغرات، ولا تتواءم مع المعايير الدولية. فما يتوفر من استراتيجيات وآليات وطنية يهدف إلى تلميع صورة الحكومات في المحافل الدولية فقط. والدليل على ضعف تفعيل القوانين وغياب العدالة هو بقاء مؤشرات العنف مرتفعة في هذه الدول. أما العراق، فهو إما يفتقر حتى الآن إلى تشريعات تحدّ من جميع أشكال العنف ضد المرأة، أو لا يتم تنفيذها.
يُعرَّف التحرش بأنه فعل مؤذٍ وغير لائق مهما كانت أشكاله، ويُعدّ من أخفى وأبشع صور العنف الجنسي. ولا يقتصر التحرش على الشارع وأماكن العمل، بل يمتد ليشمل البيت والأسواق ومواقع الإنترنت، وحتى المؤسسات التربوية والأماكن المقدسة، التي لم نكن نتوقع يوماً أن تتحول إلى مساحات يمكن التجاوز فيها. هذه الامتدادات الخطيرة لا تحدث من فراغ، بل هي نتيجة مباشرة لثقافة مجتمعية تتسامح مع الجاني، وتبحث له عن مبررات، بينما تلقي اللوم على الضحية، وكأن النساء هن المسؤولات عن الانتهاكات التي يتعرضن لها.
والأكثر إيلاماً أن المسؤولين يكررون الحديث عن وجود قوانين رادعة، لكن هذه القوانين تبقى حبراً على ورق. والسبب لا يعود فقط إلى نقص التشريعات، بل إلى غياب الإرادة السياسية الجادة في مواجهة العنف ضد النساء، ورفض الاعتراف بحجم المشكلة. فالتحرش لم يعد حادثة فردية عابرة، بل ظاهرة متجذرة في مختلف مفاصل الحياة اليومية، وصوت الضحايا يتصاعد دون أن يقابله حل عادل.
المعالجة الحقيقية تبدأ بقوانين رادعة، والاعتراف بخطورة التحرش، والتعامل معه كجريمة تمس كرامة المجتمع بأسره، لا كقضية فردية يمكن التغاضي عنها، مع محاسبة المتواطئين فيها، والتأكيد على أن المتحرش هو المذنب الأول والأخير. وتُعدّ التوعية المجتمعية ركيزة أساسية لتغيير النظرة السائدة.
نحن محكومون بنظام يعيش على استغلالنا واضطهادنا، ولا يهمه تشريع قوانين منصفة توفر الحماية والبيئة الآمنة للنساء. فمجرد الحديث أو المطالبة بحماية الناجيات من التحرش والعنف الجنسي يصبح كافياً لتوجيه الاتهامات الجاهزة بالعمالة أو "الشيطنة"، واعتماد سياسات التهميش والتسقيط، وصولاً إلى التهديد المباشر، حتى يصبح الدفاع عن حقوق الإنسان تهمة بحد ذاته، في محاولة لإسكات الأصوات التي تفضح الخلل البنيوي في النظام الاجتماعي والسياسي، رغم الإدراك بأهمية دورنا ورصانة أدائنا المجتمعي في مجمل القضايا التي نتبناها كمدافعات ومنظمات.
إننا نخوض معركة طويلة مع واحدة من أبشع الانتهاكات والجرائم التي يتم التعامل معها على أنها فعل مبرر. وتتطلب هذه المعركة تكاتفاً ونضالاً مستمراً بين جميع المدافعات والمدافعين، لأن العدالة لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بإرادة حقيقية تنصف الضحايا، وتضع حداً لإفلات الجناة من العقاب.