اخر الاخبار

في العام 2001 أجريت حوارا فنيا لمجلة ألف باء مع فنانة تشكيلية متميزة أصرت على لقائها في منزلها الجميل الفخم. وكم كانت دهشتي كبيرة حين دعتني لمصاحبتها في مشوار قصير بعد انتهاء الحوار.

لم أمانع وقادني الفضول لمعرفة سبب تلك الدعوة.. وعلى مسافة قصيرة من الدار ولجنا صالة كنيسة قديمة رائعة قرب ساحة الواثق ببغداد، وبعد تجاوز رواق الكنيسة دخلنا منزلا أنيقا تربع بين أشجار حديقة وارفة الظلال. استقبلتنا في البدء مائدة طعام طويلة كانت بانتظار ضيوفها، ثم استقبلتنا غرفة صغيرة تشبه الغرف الفندقية من حيث توفر مستلزمات النزيل من فراش وحمام وجهاز تلفزيون وغيرها. وهناك فوجئت باللقاء الحميم بين الفنانة وسيدة عجوز هي صاحبة الغرفة، عرفت بعدها أنها والدتها وان المكان هو دار مسنين تابع للكنيسة.

لم أخفِ دهشتي وسرعان ما سألت الفنانة عن سبب وضع والدتها هناك، سيما وأن بيتها فخم يسع العشرات، ولمَ لا تعتني بها مباشرة دون غيرها؟ أجابتني بأنها راعت مصلحة والدتها أولا وأخيرا، فعلى الرغم من سعة منزلها لكنها لا تتواجد فيه دائما بسبب انشغالاتها، ولا يمكنها توفير الرعاية الصحية التامة لوالدتها في كل ساعات اليوم، رغم مهنة زوجها الطبيب المشغول بعيادته ليل نهار، مما يعني بقاءها بمفردها من دون مرافق يعتني بها طوال الوقت. وأضافت ان هذا المكان يوفر لها رعاية صحية متميزة مع وجبات طعام ونظافة دائمة ، بجاني زياراتها اليومية لها وتوفير ما قد تحتاجه من مستلزمات إضافية..

وعرفت أيضا ان تلك الخدمات لا تقدم مجانا بل مقابل 500 دولار شهريا. وهو مبلغ يُعد كبيرا جدا نسبة لوقت الحصار آنذاك، لكن الكثيرين ممن غادروا البلد، وخصوصا من المسيحيين، أبقوا أمهاتهم أو أقاربهم فيه لكبر سنهم أو لانعدام إمكانية اصطحابهم.

وإثر عودتي للعراق بعد غربة نحو عشرين عاما فكرت بإنشاء دار رعاية صحية مشابهة، لكن ذلك تطلب رأس مال كبير يوازي تكاليف مستشفى أو فندق متواضع. ولم تفلح محاولاتي للأسف بتحقيق ذلك (الحلم) بل الضرورة حتى بالنسبة الى اشخاصنا، بعدما تقدم بنا العمر مع صعوبة تفرغ أولادنا لنا وانشغالاتهم.

قد يواجه هذا الأمر بالنقد نظرا لصلاتنا الأسرية وقيمنا التقليدية، لكني أراه ضروريا بعد أن عجزت الجهات الرسمية عن توفير ما يلزم شيوخنا بالقدر الكافي، وبقاء بعض المنظمات المسيحية خاصةً تقدم هذه الخدمة القيّمة، وآخرها ما شاهدته بنفسي أخيرا من مستوى راقٍ من الخدمات والعناية، في عيادة الرعاية الصحية للمسنين في السليمانية..