كشفت الوثائق البريطانية التي رُفعت عنها السرية مؤخراً، سعة الحملات التي قامت بها دائرة البحث "المعرفي" في وزارة الخارجية، بهدف تشويه صورة الشيوعيين في العالم، وتلفيق الحكايات المسيئة لقادتهم ونشطائهم ورموزهم الشعبية، واختلاق مثالبَ تلوّث المسار البهي لأفكارهم وقيمهم، وصولاً إلى التحريض على ارتكاب جرائم القتل الجماعي ضدهم.
الوثائق، التي أكدت أن نشاط هذه الدائرة كان وثيق الصلة مع جهاز المخابرات البريطاني (إم آي 6)، أعادت إلى الأذهان الدور البشع الذي قام به مؤتمر الحرية الثقافية في الولايات المتحدة، والذي افتُضحت مهمته في سبعينيات القرن الماضي كواجهة لوكالة المخابرات المركزية.
ورغم أن هذه المعطيات كانت معروفة تماماً لدى كل المدافعين الحقيقيين عن الحرية والعدالة، فإنها انطلت على البعض من محدودي الوعي، فيما أعمت العطايا الدسمة بصيرة البعض الآخر، فتغافلوا عن اعتراف CIA رسمياً بنجاحها في تجنيد آلاف الأكاديميين من النخبة المثقفة في 44 جامعة، وتأسيسها لخمسين مجلة "ثقافية" في 35 بلداً، ونشرها 650 مليون صفحة من الأكاذيب لتشويه الشيوعية، وتمويلها لستمائة جريدة و800 وكالة إخبارية و2500 كيان إعلامي حول العالم، وتسلل ضباطها إلى إدارات المتاحف الفنية، وتمويلها إنتاج 814 فيلماً سينمائياً و1133 برنامجاً تلفزيونياً، وذلك كله للتغطية على جرائم الحروب والمجاعات وتخريب البيئة والقمع والتمييز العنصري والقومي والديني ونهب ثروات الشعوب واستعبادها على يد الإمبريالية وعولمتها المتوحشة.
ولعل في المعلومات التي نشرها الباحثان ياشا ليفين وآلان ماكليود حول دور هذه المؤسسات "المعرفية" في الهيمنة على مجالات التكنولوجيا الكبرى ووسائل التواصل الاجتماعي، وكيف يشغل ممثلوها مناصب رئيسية في فيسبوك وتويتر وريديت وجوجل، خير أمثلة على أن المعركة ما زالت مستمرة رغم "انتهاء" الحرب الباردة.
وكي تثمر هذه التغطية، ويبقى البعض يرى، أو يدّعي بأنه يرى، في هذه المؤسسات مراكز "لدعم الإبداع ونشر المعرفة وحماية حرية التعبير والبحث"، كان لا بد من اللوثيان، الذي يغيّب العقول وينزع الرقة من القلوب، ويُحجّم دور المثقف النقدي المثقل بالمستقبل والأكثر قدرة على نقل الناس من السلبية إلى الفعل المقاوم المشاد على العقل، ويسخر الثقافة لتبرير الاضطهاد والاستغلال، لا سيما في بيئة الاستقطابات البشعة وتخلّف الوعي الجمعي.
وفي بلادنا، التي تبوّأ فيها المثقفون، ومنذ قيام دولتها الحديثة، مكاناً متقدماً في الصراع لتحرير عنقها من أنياب محتل أو من مخالب "محرر"، أو للخلاص من فاشيات بدوية وطغم متخلفة تحل عادة محلها، سعت تلك المؤسسات إلى تخريب ثقافتنا الوطنية وتحطيم تقاليدها الديمقراطية وتمزيق وحدة منتجيها ومحاصرة طلائعهم الأنشط إبداعاً وفعلاً، وإشاعة أفكار الخلاص الفردي والتناقض المزعوم بين الالتزام وحرية الإبداع، وإيهام متثاقفين بشتم اليسار عسى أن تُحجب فضائحهم أو تُستر خيباتهم.
وفي خضم المواجهة، أدرك الكثيرون أن نجاح خطط المراكز "المعرفية" يرتبط بقدرتها على عزل المثقفين عن قوى الحرية والعدالة من شيوعيين ويساريين، وتشويه تاريخهم، وإعاقة الوصول إلى مشروعهم النهضوي التنويري، الذي تأصّلت فيه أفكار الحوار والتعددية والعقلانية وكل ما له علاقة بالحريات.
ورغم هذا الصراع واللوثيان الذي يسببه قرع الطبول الجوفاء، فإن ضياء الحقيقة قادر على تبديد عتمة الأكاذيب، لأن الجميع، بما فيهم الأجيال الشابة، يعرفون كم هي متينة الآصرة التي تربط الحزب الشيوعي بالثقافة العراقية، وأن بطلاً عراقياً قلّ نظيره، كسلام عادل، أعظم من أن تشوّهه أقلام تبريها مراكز "المعرفة" المعولمة، وأن حزباً اعتاد على نقد أخطائه بجرأة متميزة هو توأم صادق للحرية بكل معانيها.